أحمد كاوه
مقالان متزامنان كتبهما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الصيني شي جينبينغ في صحيفة «الأهرام» يكشفان عن محاولة مصرية-صينية لنقل العلاقة بين البلدين من سردية الصداقة التاريخية إلى شراكة تتعلق بالصناعة والتكنولوجيا وموقع البلدين في النظام الدولي المتغير.
المقالان نُشرا بالتزامن مع زيارة شي إلى القاهرة، وهي الأولى له إلى مصر منذ عشر سنوات، ومع مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1956، عندما أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع جمهورية الصين الشعبية.
يبدأ الرئيسان تقريباً من المكان نفسه: حضارتان قديمتان، النيل واليانغتسي، طريق الحرير، ثم العلاقات السياسية التي صمدت أمام التحولات الدولية. لكن خلف هذا الخطاب التاريخي تظهر أجندة أكثر معاصرة.
بالنسبة إلى السيسي، تبدو الكلمة المفتاحية هي التوطين.
فالرئيس المصري لا يكتفي بالحديث عن زيادة الاستثمارات الصينية، وإنما يحدد بصورة لافتة القطاعات التي تريد القاهرة نقلها إلى مصر: السيارات الكهربائية، بطاريات تخزين الطاقة، الطاقة المتجددة، الإلكترونيات، مكونات محطات تحلية المياه وبناء السفن، إلى جانب نقل التكنولوجيا في الاتصالات والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء.
وهنا يمكن العثور على أهم رسالة اقتصادية في المقال المصري. القاهرة لا تريد أن تظل علاقتها ببكين قائمة على معادلة «الصين تنتج ومصر تستورد»، ولا حتى على قيام الشركات الصينية بتنفيذ مشروعات البنية التحتية المصرية. المرحلة التالية، وفق رؤية السيسي، يفترض أن تجعل مصر نفسها قاعدة للصناعة الصينية والإنتاج والتصدير.
ولهذا يربط السيسي بين البنية التحتية التي بنتها مصر خلال السنوات الماضية وبين قدرتها الآن على اجتذاب الصناعة، مستشهداً بمشاركة الشركات الصينية في العاصمة الجديدة والقطار الكهربائي والطاقة المتجددة وتطوير الموانئ.
شي جينبينغ يلتقط الفكرة نفسها، ولكن من الزاوية الصينية.
فهو يصف مصر بأنها شريك تجاري واستثماري رئيسي للصين في العالم العربي وأفريقيا، ويشير إلى منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري في السويس والمشروعات التي نفذتها الشركات الصينية، لكنه يذهب أبعد حين يحدد عناصر التكامل: الصين تمتلك نظاماً صناعياً ضخماً ورأس المال والتكنولوجيا والمعدات، بينما تمتلك مصر السكان والموارد والسوق والموقع.
هذه الصياغة مهمة لأنها تقدم تصور بكين للدور المصري: ليس مجرد سوق يضم أكثر من 100 مليون مستهلك، وإنما منصة تصل الصين بالعالم العربي وأفريقيا وبالممر التجاري الذي تمثله قناة السويس.
لكن الاقتصاد ليس سوى نصف القصة.
المقالان يحملان تقارباً سياسياً واضحاً حول مفهوم الجنوب العالمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. السيسي يتحدث عن «الاتزان الاستراتيجي» ورفض الاستقطاب، وزيادة تمثيل الدول النامية في المؤسسات الدولية، ويضع عضوية مصر في «بريكس» وبنك التنمية الجديد والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية ضمن هذه الرؤية.
أما شي فيدعو مصر والصين إلى ممارسة ما يسميه «التعددية الحقيقية» والعمل معاً من أجل العدالة في النظام الدولي، ويمنح القاهرة دوراً يتجاوز العلاقة الثنائية: بوابة لتوسيع التعاون الصيني مع العالم العربي وأفريقيا.
وهنا يظهر التقاطع السياسي الأهم بين المقالين. القاهرة تريد الصين جزءاً من سياسة تنويع علاقاتها الدولية، بينما تريد بكين مصر شريكاً محورياً في توسيع حضورها داخل الجنوب العالمي.
حتى القضايا الإقليمية دخلت في هذه المعادلة. الرئيسان يشددان على التسويات السياسية ورفض اتساع الصراعات، ويتفقان بشأن الحقوق الفلسطينية، بينما يذهب السيسي إلى ملف بالغ الحساسية بالنسبة إلى القاهرة، هو مياه النيل، ويشيد بالموقف الصيني الرافض للإجراءات الأحادية والداعي إلى التعاون بين دول النهر.
بعد سبعين عاماً، إذاً، لم يعد السؤال الحقيقي هو مدى متانة الصداقة المصرية-الصينية. المقالان يفترضان أن هذه المسألة حُسمت بالفعل.
السؤال الذي تطرحه المرحلة الجديدة أكثر عملية: هل تستطيع مصر تحويل رأس المال والتكنولوجيا والقدرات الصناعية الصينية إلى مصانع وتكنولوجيا وصادرات مصرية، وهل تستطيع الصين تحويل علاقتها القوية بالقاهرة إلى نموذج لشراكتها الأوسع مع العالم العربي وأفريقيا؟
الإجابة عن هذين السؤالين هي التي ستحدد شكل السنوات العشر المقبلة، وليس السنوات السبعين الماضية.
اعتمدتُ أساساً على النص الأصلي لمقال ، وعلى مقال . وبما أن «الأهرام» تعرض مقال شي داخل ملف مضمّن لا يظهر نصه لمحرك البحث، راجعت أيضاً النص الكامل الرسمي الذي نشرته شينخوا للتأكد من تفاصيله.