EN

ما وراء حرب إيران.. حين تخفي التفاصيل اليومية الصراع الحقيقي

ندى سلام

أكبر خطأ في قراءة الحرب الدائرة مع إيران هو الاعتقاد بأن مسارها يمكن استخلاصه من أخبار اليوم: ضربة هنا، رد هناك، تصريح متشدد من واشنطن، وإشارة إلى التفاوض من طهران، ثم وسيط يظهر حاملاً مقترحاً جديداً قبل أن تعود الطائرات إلى السماء.

كل ذلك مهم، لكنه لا يفسر الحرب.

ما يصل إلى العلن هو في الغالب حركة السطح، بينما القرارات التي تحدد الاتجاه الفعلي للصراع تُصنع في مستوى أعمق بكثير، حيث المصالح الاستراتيجية والاقتصادية طويلة الأمد، وحيث تجري أيضاً اتصالات ومساومات لا يعرف الرأي العام عنها شيئاً إلا بعد شهور، وربما سنوات.

ولهذا تبدو محاولة تفسير الحرب انطلاقاً من شخصية دونالد ترامب وحدها قراءة مضللة.

ترامب بالغ الأهمية بالطبع. أسلوبه في استخدام القوة، وميله إلى رفع سقف التهديد ثم فتح باب الصفقة، يتركان بصمة واضحة على إدارة المواجهة. لكن الولايات المتحدة لا تحشد قوتها العسكرية والاقتصادية والسياسية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية لمجرد أن رئيساً قرر تصفية حساب مع إيران.

وراء المواجهة مصالح أبقى من الرؤساء.

هناك البرنامج النووي الإيراني وأمن إسرائيل، لكن هناك أيضاً الطاقة ومضيق هرمز والممرات البحرية ومستقبل الوجود العسكري الأميركي، وموازين القوة في الخليج، وموقع الصين المتنامي في الشرق الأوسط، والسؤال الأكبر المتعلق بمن سيملك القدرة على رسم قواعد النظام الإقليمي المقبل.

بهذا المعنى، لا تبدو الحرب مشروعاً شخصياً لترامب بقدر ما يبدو ترامب الرئيس الأكثر استعداداً لاستخدام القوة لإنجاز مجموعة أهداف أميركية تراكمت خلال سنوات.

لقد عاد إلى البيت الأبيض وفي جعبته تصور واضح تجاه إيران: لا يكفي احتواء قوتها، بل ينبغي تغيير المعادلة التي سمحت لها باستخدام برنامجها النووي والصواريخ وشبكة نفوذها الإقليمي وموقعها على هرمز أدوات لفرض التوازن مع خصوم أقوى منها.

يمكن الاختلاف حول فرص نجاح هذه الرؤية، لكن من الصعب فهم ما يجري إذا اختُزل كله في مزاج ترامب وتقلباته.

هناك أيضاً حرب أخرى لا تظهر على الشاشات.

بين كل ضربة وأخرى تتحرك الدبلوماسية السرية. دول تنقل الرسائل، ومسؤولون يختبرون شروط الطرف المقابل، ومقترحات تُطرح ثم تُسحب، وضمانات يجري البحث عنها، وحدود للتصعيد يحاول الخصمان اكتشافها من دون الإعلان عنها.

لذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى التفاوض والقتال باعتبارهما مسارين متعارضين.

في مثل هذه المواجهات، القصف نفسه يمكن أن يكون رسالة تفاوضية.

حين تضرب واشنطن، فهي لا تستهدف منشأة أو قدرة عسكرية فقط، بل تقول شيئاً عن الشروط التي تريد فرضها. وحين ترد طهران، فهي لا تسعى بالضرورة إلى توسيع الحرب، بل تحاول إثبات أن تجاهل مصالحها ستكون له كلفة.

حتى التصريحات المتناقضة تصبح أكثر قابلية للفهم ضمن هذه الصورة. يمكن للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن يعرض العودة إلى تفاهم مع واشنطن في اليوم نفسه الذي تتبادل فيه قوات البلدين الضربات. فالسياسة والقوة هنا ليستا بديلين؛ كل واحدة منهما تحاول تحسين شروط الأخرى.

وهذا تحديداً ما يجعل التنبؤ بمسار الأزمة بالغ الصعوبة.

نحن لا نعرف مضمون الجزء الأكبر من الاتصالات الجارية، ولا الخطوط الحمراء الحقيقية لكل طرف، ولا التنازلات التي يمكن تقديمها خلف الأبواب المغلقة. والأهم أننا لا نعرف بصورة كاملة ما تعتبره واشنطن «نهاية ناجحة» لهذه الحرب.

هل يكفي تحييد الخطر النووي؟ هل المطلوب ضمان هرمز؟ أم إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية؟ هل الهدف إعادة إيران إلى حدودها، أم إعادة بناء ميزان القوى في الشرق الأوسط كله؟

الإجابة هي التي تحدد متى تنتهي الحرب، لا عدد الصواريخ التي أطلقت هذا الأسبوع.

ولا شيء يضمن أن تحصل الولايات المتحدة على النتيجة التي تريدها. التاريخ مليء بحروب بدأت بخطط واضحة وانتهت بوقائع لم يتوقعها أصحابها. وإيران، رغم الخسائر والضغوط الهائلة، ليست دولة بلا أوراق، كما أن اضطراب هرمز يمنح المواجهة قدرة استثنائية على نقل تكلفتها إلى الاقتصاد العالمي.

لذلك ينبغي الحذر من إعلان الانتصارات والهزائم مع كل جولة.

المعركة الحقيقية ليست على ما حدث أمس، بل على ما سيصبح عليه الشرق الأوسط عندما تتوقف الحرب.

وحتى تتضح الإجابة، فإن ما نعيشه ليس نهاية أزمة، بل مرحلة انتقال خطرة قد تعيد تحديد موازين المنطقة، وتترك آثارها أبعد بكثير من إيران والولايات المتحدة.

للمتابعة المرجعية للوقائع المتغيرة في هذا الملف: Reuters Middle EastAttachment.png، وبيانات U.S. Department of DefenseAttachment.png، وتحليلات U.S. Energy Information Administration حول أهمية مضيق هرمزAttachment.png.