EN

هل تنجح براغماتية بزشكيان أمام تشدد الخصوم؟

نيكول جيفري

يحاول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان فتح نافذة للدبلوماسية في لحظة تبدو فيها لغة الصواريخ أعلى بكثير من لغة التفاوض. فبعد جولة جديدة من الضربات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، عاد الرئيس الإيراني ليطرح معادلة شديدة البساطة: إذا عادت واشنطن إلى التزاماتها بموجب تفاهم يونيو، فإن طهران ستفي بالتزاماتها «فوراً».

لكن المشكلة التي تواجه بزشكيان ليست في صياغة العرض، بل في إقناع المتشددين على جانبي المواجهة بأن التسوية تحقق ما لا تستطيع الحرب تحقيقه.

وجاء تصريح بزشكيان، الثلاثاء، من قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، بعد أول تبادل مباشر للهجمات بين البلدين منذ أواخر يوليو. فقد ضربت الولايات المتحدة جزيرة لارك الإيرانية، قبل أن ترد طهران بهجمات استهدفت قاعدتين أميركيتين في الأردن.

ورغم ذلك، اختار بزشكيان الحديث عن العودة إلى التفاهم.

قال بوضوح إن إيران «سترد بالمثل فوراً» إذا عادت الولايات المتحدة إلى تنفيذ التزاماتها الواردة في مذكرة التفاهم التي توصل إليها الطرفان في يونيو، في محاولة واضحة لإبقاء الباب مفتوحاً أمام تسوية بدأت تتآكل بعد وقت قصير من ولادتها.

براغماتية الضرورة

لا يعرض بزشكيان تنازلاً إيرانياً أحادي الجانب، بل يبني موقفه على مبدأ المعاملة بالمثل: نفذوا ما اتفقنا عليه، وسنفعل الشيء نفسه.

هذه الصيغة مهمة داخلياً بقدر أهميتها بالنسبة إلى واشنطن. فهي تسمح للرئيس الإيراني بالدفاع عن العودة إلى الدبلوماسية من دون الظهور بمظهر من يتراجع تحت الضغط العسكري الأميركي، وتحمل واشنطن، في الوقت نفسه، مسؤولية الخطوة الأولى.

لكن وراء هذه البراغماتية حسابات أكثر قسوة.

فإيران تواجه حرب استنزاف لا تقتصر تكلفتها على الميدان العسكري. الاقتصاد يتعرض لضغط متزايد، والعقوبات تخنق قدرته على الحركة، فيما بات استمرار حالة «اللاحرب واللاسلم» مكلفاً بصورة يصعب على الحكومة تجاهلها.

بالنسبة إلى بزشكيان، لذلك، ليست التسوية خياراً أيديولوجياً بقدر ما هي محاولة لوقف استنزاف لا تبدو له نهاية واضحة.

خصوم الداخل

غير أن الرئيس الإيراني لا يمتلك وحده مفاتيح القرار.

داخل الجمهورية الإسلامية تيار قوي يرى المشهد بطريقة مختلفة تماماً. فالمتشددون وأجزاء من المؤسسة الأمنية والعسكرية ينظرون إلى مضيق هرمز بوصفه واحدة من أقوى أوراق الضغط المتبقية في يد إيران، ويرون أن التخلي عنها قبل الحصول على تنازلات أميركية ملموسة سيبدد مكسباً استراتيجياً حققته طهران بثمن باهظ.

ومن هنا تصبح مهمة بزشكيان أكثر تعقيداً.

فالقرار في ملفات الحرب والبرنامج النووي والصواريخ الباليستية ومضيق هرمز لا يصدر من مكتب الرئيس وحده. إنه نتاج توازنات داخل منظومة واسعة، تحتل فيها المؤسسات العسكرية والأمنية موقعاً حاسماً.

والحرب، تاريخياً، لا تقوي المعتدلين. إنها تمنح المؤسسات الأكثر تشدداً مبررات إضافية للتمسك بمواقعها.

لذلك يحتاج بزشكيان إلى إثبات أن التفاوض قادر على انتزاع مقابل حقيقي من واشنطن، وليس مجرد توفير مخرج للولايات المتحدة من المواجهة.

وفي واشنطن أيضاً

المفارقة أن المشكلة نفسها موجودة، بصورة مختلفة، على الجانب الأميركي.

فالرئيس دونالد ترامب يستطيع التعامل مع استعداد بزشكيان للعودة إلى تفاهم يونيو باعتباره فرصة لتحويل الضغط العسكري والاقتصادي إلى تسوية، لكنه يستطيع أيضاً قراءة الموقف الإيراني باعتباره دليلاً على أن الضغط بدأ يؤتي ثماره، وأن المزيد منه قد يدفع طهران إلى تقديم تنازلات أكبر.

وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات الأزمة الحالية.

واشنطن تعتقد أن ضعف الاقتصاد الإيراني يجعل الوقت في صالحها، فيما يعتقد المتشددون في طهران أن قدرة إيران على تهديد الملاحة ورفع تكلفة المواجهة تجعل الوقت مكلفاً للأميركيين أيضاً.

وبين الحسابين يحاول بزشكيان بيع فكرة التسوية.

هرمز.. العقدة الحقيقية

يبقى مضيق هرمز الاختبار الأصعب لأي محاولة لإحياء تفاهم يونيو.

إيران ربطت مراراً ضمان حرية الملاحة الكاملة عبر المضيق بتنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها في الاتفاق. أما واشنطن فتنظر إلى حرية الملاحة في واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية باعتبارها مسألة لا يمكن أن تبقى رهينة الشروط الإيرانية.

وهنا تنتقل الأزمة من الخلاف على تفاصيل اتفاق إلى صراع على تعريف القوة نفسها.

إيران تقول، عملياً، إن هرمز ورقة تفاوض. والولايات المتحدة تريد انتزاع هذه الورقة من طاولة المساومة.

وبزشكيان يقف في المنتصف محاولاً الوصول إلى معادلة تسمح لطهران بالتراجع خطوة من دون أن يبدو ذلك هزيمة، ولواشنطن بالحصول على أمن الملاحة من دون حرب مفتوحة.

قد تكون نقطة القوة الوحيدة في رهانه أن أياً من الطرفين لا يبدو راغباً فعلاً في العودة إلى حرب شاملة.

لكن نقطة ضعفه أكبر: هناك على الجانبين من لا يزال يعتقد أن جولة إضافية من الضغط قد تنتزع شروطاً أفضل.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لبزشكيان لا يتعلق بقدرته على إقناع واشنطن وحدها، بل بقدرته أولاً على إقناع مركز القرار في طهران بأن البراغماتية ليست اسماً آخر للتراجع.

الرئيس الإيراني يخوض سباقاً مع المتشددين على الجانبين: عليه أن يثبت أن التفاوض يستطيع إنتاج نتيجة قبل أن يثبت خصومه أن القوة وحدها هي التي تفعل ذلك.

المصدر الأساسي: Reuters — تصريحات بزشكيان في بيشكيك، 1 سبتمبر 2026Attachment.png.