أحمد كاوة
لم يكن مضيق هرمز مجرد ممر مائي في العقيدة الإيرانية، بل ورقة الردع الأثقل في يد طهران: تهديد بإرباك سوق النفط العالمي، ورفع كلفة أي مواجهة عسكرية، ودفع القوى الغربية والخليجية إلى التفاوض. لكن هذه الورقة تبدو اليوم أقل قدرة على حماية إيران، وأكثر شبهاً بفخّ يستهلك اقتصادها ونفوذها ويضيّق خياراتها.
قوة هرمز كانت دائماً في معادلة بسيطة: إذا مُنع العالم من العبور، سيدفع العالم ثمناً باهظاً. يمر عبر المضيق نحو خُمس تجارة النفط البحرية العالمية، إلى جانب شحنات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من قطر. لذلك كان التلويح بإغلاقه كافياً في السابق لإثارة قلق الأسواق ورفع أقساط التأمين ودفع العواصم الكبرى إلى الحذر.
لكن التهديد يختلف جذرياً عن التنفيذ. فحين تصبح الملاحة مضطربة فعلياً، لا يتوقف الضرر عند خصوم إيران. طهران نفسها تعتمد على الممر لتصدير النفط واستيراد السلع والمواد الأولية، وتحتاج إلى بقاء مسارات التجارة مفتوحة كي لا يتحول الضغط الخارجي إلى اختناق اقتصادي داخلي. إغلاق المضيق، أو جعله منطقة خطر دائم، يعني عملياً أن إيران تضرب أحد شرايينها قبل أن تضرب خصومها.
والأهم أن الأزمة منحت خصومها ما كانوا يحتاجونه سياسياً وعسكرياً: مبرراً لبناء ترتيبات أمنية بحرية أوسع، وتكثيف الوجود العسكري، وتوسيع فكرة أن حرية الملاحة ليست مطلباً أمريكياً فقط، بل مصلحة جماعية لدول الخليج وآسيا وأوروبا. وكلما زادت الهجمات أو التهديدات، صار من الأسهل حشد هذا التحالف ضد إيران، وتحويل المضيق من منطقة نفوذ إيراني مفترض إلى ساحة مراقبة وضغط عليها.
كما أن العالم لم يعد يتعامل مع هرمز باعتباره عنق زجاجة وحيداً بلا بدائل. لا تستطيع البدائل تعويضه بالكامل، لكنها تخفف أثره: خطوط أنابيب إلى موانئ خارج الخليج، إعادة توجيه بعض الناقلات حول أفريقيا، مخزونات استراتيجية، وخفض مؤقت للاستهلاك أو الإنتاج. هذه البدائل مكلفة وبطيئة، لكنها تمنح الأسواق وقتاً وتقلّص قدرة إيران على فرض صدمة حاسمة وسريعة.
في المقابل، تدفع إيران الثمن فوراً: قفزات في الأسعار، صعوبة في بيع النفط، ضغوط على العملة، وارتفاع كلفة المعيشة. وهنا تظهر المفارقة القاسية: السلاح الذي صُمم ليجعل العقوبات والحصار مؤلمين للآخرين قد يتحول إلى عامل يضاعف الألم داخل إيران نفسها.
لهذا، لم يعد السؤال: هل تستطيع إيران تهديد هرمز؟ نعم، تستطيع إرباكه وإبطاء الحركة ورفع كلفة التأمين. السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع تحمّل نتائج ذلك لفترة طويلة؟ على الأرجح لا. فالمضيق لا يمنح طهران نصراً تلقائياً؛ إنه يمنحها قدرة على التعطيل، لكن التعطيل الطويل قد ينتهي بإضعافها أكثر مما يضعف خصومها.