EN

حرب السودان: أزمة الرباعية وتناقض الموقف السعودي!

صفاء صبحي

لم تعد الحرب السودانية مجرد صراع على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى اختبار حقيقي للنظام الإقليمي بأكمله. ومع دخول الحرب عامها الرابع، لم يعد السودان ساحة لمواجهة داخلية فحسب، وإنما أصبح ميداناً تتقاطع فيه مصالح السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة وروسيا، فيما يقترب البلد تدريجياً من أخطر سيناريو ممكن: أن يتحول إلى دولة ممزقة بين سلطات متنافسة، ومناطق نفوذ عسكرية، ومشاريع سياسية متعارضة.

وفي قلب هذا المشهد تقف «الرباعية» التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، باعتبارها الإطار الإقليمي والدولي الأهم المفترض أن يقود جهود إنهاء الحرب. لكن المفارقة التي باتت أكثر وضوحاً أن الدول الأربع لا تختلف فقط في أدواتها، وإنما في رؤيتها لطبيعة الصراع نفسه وللجهة التي ينبغي أن تتحمل الكلفة الأكبر للضغط السياسي.

فالولايات المتحدة تدفع باتجاه وقف تدفق السلاح إلى جميع الأطراف، وتسعى إلى توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل الأراضي السودانية، بينما تبدو السعودية ومصر أقرب إلى رؤية معسكر الجيش السوداني باعتباره التعبير الأساسي عن الدولة السودانية. أما الإمارات، فعلى مستوى خطابها المعلن، فتدفع باتجاه وقف إطلاق النار والتسوية السياسية والانتقال المدني.

وهنا تكمن أزمة الرباعية: كيف يمكن لمجموعة أن تقود عملية سلام إذا كانت بعض دولها تنظر إلى الحرب باعتبارها صراعاً ينبغي إيقافه، بينما تتعامل دول أخرى معها من زاوية صراع بين «الدولة» و«قوة متمردة» ينبغي أن تنتهي الغلبة فيه لمصلحة الطرف الذي تعتبره ممثلاً للدولة؟

هذه ليست مجرد خلافات تكتيكية، وإنما اختلافات يمكن أن تجعل الرباعية نفسها جزءاً من مشكلة السودان بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل.

من «لا حل عسكرياً» إلى دعم أحد طرفي المعادلة

في سبتمبر/أيلول 2025، أصدرت الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر بياناً مشتركاً بشأن السودان، دعت فيه إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تليها وقف دائم لإطلاق النار، ثم عملية انتقال سياسي بقيادة مدنية. والأهم أن الدول الأربع أكدت بوضوح أنه «لا يوجد حل عسكري قابل للاستمرار» للحرب.

كان هذا الموقف يفترض أن يشكل قاعدة سياسية مشتركة: لا الجيش قادر على بناء سلام دائم من خلال الحسم العسكري، ولا الدعم السريع قادر على تحويل مكاسبه الميدانية إلى نظام سياسي مستقر، وبالتالي فإن استمرار الحرب لن يؤدي إلا إلى تدمير الدولة وإطالة معاناة السودانيين.

لكن المشكلة أن المبدأ شيء، والسياسة الفعلية شيء آخر.

ففي أغسطس/آب 2026، دفعت واشنطن باتجاه تشديد العقوبات الدولية وتوسيع حظر الأسلحة المفروض أصلاً على دارفور ليشمل كامل السودان، بهدف تجفيف مصادر التمويل والتسليح التي تسمح باستمرار الحرب. وقال المبعوث الأمريكي للشأن الأفريقي، مسعد بولس، إن الدعم العسكري والمالي الخارجي يواصل تغذية الصراع.

من حيث المبدأ، يصعب الاعتراض على هذا التوجه إذا كان الهدف فعلاً هو منع الطرفين من الاستمرار في الحرب. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يتعلق الأمر بتطبيق المبدأ على الحلفاء والشركاء، لا على الخصوم فقط.

فإذا كان السلاح الخارجي هو أحد أسباب استمرار الحرب، فيجب أن يكون الموقف واضحاً تجاه جميع مصادر السلاح. وإذا كان الحل العسكري غير قابل للاستمرار، فلا ينبغي أن تتحول الانتصارات الميدانية لأي طرف إلى مبرر لتأجيل التفاوض. وإذا كان الهدف هو بناء دولة سودانية موحدة، فلا ينبغي أن يصبح «دعم الدولة» مرادفاً لدعم المؤسسة العسكرية وحدها. وهنا تحديداً تبدأ مشكلة الموقف السعودي.

السعودية: الوسيط الذي يقترب من أحد طرفي الحرب

كانت السعودية في بداية الحرب واحدة من أهم قنوات الوساطة بين الجيش والدعم السريع. واستضافت جدة مفاوضات الطرفين، وارتبط اسمها بإعلان جدة الذي ركز على حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية.

وكان ذلك الدور منطقياً ومفيداً؛ فالسعودية تمتلك علاقات تاريخية مع المؤسسة العسكرية السودانية، وفي الوقت نفسه كانت قادرة على التواصل مع قيادة الدعم السريع. وهذا جعلها واحدة من الدول القليلة التي تستطيع مخاطبة طرفي الحرب دون أن تبدو منذ البداية جزءاً من المعسكر السياسي لأحدهما. لكن شيئاً تغير تدريجياً.

مع استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم، أصبح الخطاب السعودي أكثر ارتباطاً بمفاهيم «الدولة» و«الشرعية» و«الوحدة والسيادة»، وأكثر تشدداً تجاه فكرة إنشاء حكومة موازية في مناطق سيطرة الدعم السريع.

هذه المبادئ ليست موضع اعتراض في حد ذاتها. فمن الطبيعي أن ترفض السعودية تقسيم السودان أو إقامة حكومتين متنافستين، ومن الطبيعي أن ترى في تفكك الدولة السودانية تهديداً لأمن البحر الأحمر وللاستقرار الإقليمي.

لكن السؤال الأصعب هو: أين تنتهي حماية الدولة وتبدأ حماية طرف سياسي وعسكري بعينه؟

فالدولة السودانية ليست الجيش وحده، والجيش، مهما كانت صفته الرسمية، ليس فوق المساءلة. كما أن رفض الحكومة الموازية لا يعني أن الطريق الوحيد للحفاظ على وحدة السودان هو منح الجيش فرصة لتحقيق انتصار عسكري كامل.

المشكلة إذن ليست في دعم الدولة، وإنما في تعريف الدولة بطريقة تجعل أحد طرفي الحرب هو الدولة والآخر مجرد عائق أمامها.

وعندما يحدث ذلك، يصبح الوسيط في وضع بالغ الصعوبة؛ لأنه لا يدخل المفاوضات حاملاً فقط اقتراحاً للسلام، وإنما يدخلها حاملاً حكماً مسبقاً على طبيعة الصراع.

معسكر بورتسودان: عندما تتحول «الشرعية» إلى ورقة تفاوض

منذ استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم، أصبح معسكر بورتسودان أكثر حضوراً في الحسابات الإقليمية. فمصر والسعودية تنظران إلى الجيش باعتباره المؤسسة الرسمية للدولة السودانية، وترى كلتاهما أن انهيار المؤسسة العسكرية أو تفككها يمكن أن يخلق فراغاً أمنياً خطيراً يمتد إلى الحدود المصرية والبحر الأحمر.

هذه المخاوف حقيقية، ولا ينبغي التقليل منها. لكن تحويلها إلى أساس وحيد للسياسة تجاه السودان قد ينتج مشكلة أكبر من تلك التي يحاول منعها.

فإذا أصبح الجيش هو «الدولة» في الخطاب السياسي، فإن التفاوض لا يعود عملية بين طرفين متحاربين، وإنما يصبح تفاوضاً بين دولة من جهة وقوة متمردة من جهة أخرى. وعندها يصبح من الصعب مطالبة الدعم السريع بتقديم تنازلات سياسية إذا كان يعلم أن أحد أبرز الوسطاء الإقليميين قد حسم مسبقاً موقعه في المعادلة.

وهذا لا يعني تبرئة الدعم السريع من جرائمه وانتهاكاته. على العكس، فإن الانتهاكات المنسوبة إليه، خصوصاً في دارفور، تستوجب المحاسبة، كما أن الانتهاكات المنسوبة إلى الجيش وقصف المناطق المدنية تستوجب التحقيق والمساءلة أيضاً. لكن هناك فارقاً أساسياً بين محاسبة مرتكبي الجرائم وبين إنهاء الحرب.

يمكن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات بعد وقف الحرب أو بالتوازي مع العملية السياسية، أما جعل المحاسبة شرطاً مسبقاً للتفاوض مع أحد الأطراف، فإنه يعني عملياً أن الحرب يجب أن تستمر حتى يُهزم ذلك الطرف عسكرياً.

وهذا تحديداً هو ما يتناقض مع فكرة «لا حل عسكري قابل للاستمرار» التي وقعت عليها دول الرباعية نفسها.

المفارقة التي يصعب تجاهلها

هناك جانب آخر يجعل الموقف السعودي بحاجة إلى تفسير أكثر وضوحاً.

فقبل اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، لم تكن قوات الدعم السريع قوة منبوذة إقليمياً. على العكس، شاركت قوات منها في الحرب اليمنية ضمن التحالف الذي قادته السعودية والإمارات، وكانت مشاركتها جزءاً من علاقة أمنية وعسكرية ربطت الخرطوم بالرياض وأبوظبي خلال تلك المرحلة.

القوة التي أصبحت اليوم تُقدَّم باعتبارها أحد أكبر تهديدات الدولة السودانية لم تكن دائماً كذلك في الحسابات الإقليمية. كانت قوة شبه عسكرية يمكن التعامل معها عندما كانت مصالحها تتقاطع مع مصالح دول المنطقة.

لقد تغير الدعم السريع بالفعل، وتحول من قوة شبه عسكرية مرتبطة بالدولة إلى طرف مستقل في حرب مفتوحة على السلطة، كما ارتبط اسمه بانتهاكات خطيرة وبمشروع سياسي وعسكري مختلف تماماً عن موقعه السابق.

لكن تغير القوة لا يلغي حقيقة أن علاقات إقليمية كانت قائمة معها عندما كانت تخدم أهدافاً مشتركة.

ومن هنا يأتي السؤال الذي يصعب على السياسة السعودية تجاهله: هل أصبح الدعم السريع خطراً لأنه تغير وحده، أم لأن موقعه تغير في الحسابات الإقليمية؟

إذا كان معيار الرياض هو الدولة والمؤسسات، فمن حق المراقبين أن يسألوا لماذا كان التعامل مع قوة شبه عسكرية مثل الدعم السريع مقبولاً عندما كانت تؤدي دوراً في التحالف العربي في اليمن، ثم أصبح وجودها داخل المعادلة السودانية تهديداً وجودياً للدولة بمجرد انتقالها إلى مواجهة الجيش؟

لا توجد إجابة بسيطة عن هذا السؤال، لكن تجاهله لا يساعد على بناء سياسة سودانية أكثر اتساقاً.

السعودية والإمارات: خلاف على معنى الاستقرار

الخلاف بين الرياض وأبوظبي في السودان أعمق من مجرد اختلاف في التقدير السياسي، لأنه يعكس تصورين مختلفين لمفهوم الاستقرار.

السعودية تبدو أكثر تمسكاً بفكرة أن استقرار السودان يبدأ بالحفاظ على الدولة المركزية ومؤسساتها، وأن الجيش هو المؤسسة القادرة على منع الانهيار والتقسيم. أما الإمارات فتبدو أكثر ميلاً إلى اعتبار استمرار الحرب هو الخطر الأكبر، وأن التسوية السياسية، حتى لو اضطرت إلى إشراك قوى مسلحة في العملية، تظل أقل كلفة من حرب طويلة يمكن أن تدمر الدولة نفسها.

وبعبارة أخرى، تنطلق الرياض من سؤال: كيف نحافظ على الدولة؟ بينما تنطلق أبوظبي من سؤال: كيف نوقف الحرب قبل أن تنهار الدولة؟

الفرق بين السؤالين يبدو بسيطاً، لكنه قد يفسر جزءاً كبيراً من التباعد بين البلدين.

فالرياض تخشى أن تؤدي التسوية السريعة إلى مكافأة قوة مسلحة تحدت الدولة، بينما تخشى أبوظبي، في خطابها المعلن، أن يؤدي استمرار الحرب إلى انهيار الدولة وتحويل السودان إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية.

لكن المشكلة أن كلا الطرفين يملك مصالح مباشرة في السودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، ولذلك لا يمكن التعامل مع أي من الموقفين باعتباره خالياً من الحسابات الاستراتيجية.

الإمارات تواجه اتهامات مستمرة بدعم الدعم السريع، وهي تنفيها بشدة، كما تواجه مصر اتهامات بدعم الجيش وتنفي تقديم دعم عسكري مباشر يغير مسار الحرب. وفي مثل هذه البيئة، تصبح البيانات الرسمية أقل أهمية من الأفعال على الأرض.

فالسلام لا يُقاس بما تقوله الدول عن نفسها، وإنما بما تفعله عندما تتعارض مصالحها مع هدف السلام.

أزمة الرباعية ليست خلافاً في المواقف بل تضارباً في المصالح

الولايات المتحدة تريد منع السودان من التحول إلى مركز للفوضى الإقليمية، وتسعى إلى قطع شبكات التمويل والتسليح التي تغذي الحرب. السعودية تريد سوداناً موحداً ومستقراً لا يشكل تهديداً لأمن البحر الأحمر، مع الحفاظ على نفوذها في دولة عربية ذات أهمية استراتيجية. مصر تنظر إلى السودان من زاوية أمنها القومي المباشر، وترى في وجود جيش سوداني قوي حاجزاً أمام الفوضى والتهديدات العابرة للحدود. أما الإمارات، فترتبط مصالحها بالسودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتطرح نفسها بوصفها داعماً للتسوية السياسية ومنع استمرار الحرب.

وهكذا تجتمع الدول الأربع تحت مظلة واحدة، لكنها لا تدخل الغرفة نفسها بالتصور ذاته عن «السلام».

وهذا هو السبب في أن الرباعية تبدو أحياناً أقرب إلى ساحة تفاوض بين الدول الأربع منها إلى آلية ضغط موحدة على طرفي الحرب.

المشكلة ليست أن السعودية تختلف مع واشنطن أو أبوظبي. من حق كل دولة أن تضع مصالحها الأمنية والاستراتيجية في مقدمة حساباتها. لكن المشكلة تظهر عندما تستخدم مجموعة واحدة خطاباً موحداً عن السلام، بينما تعمل الدول الأعضاء داخلها وفق حسابات متناقضة.

فإذا كانت الرباعية تؤكد أنه لا يوجد حل عسكري قابل للاستمرار، فعليها أن تمنع جميع الأطراف من الاعتقاد بأن بإمكانها تحقيق النصر عسكرياً.

وإذا كانت تريد وقف التدخل الخارجي، فعليها أن تتعامل مع جميع شبكات التسليح والتمويل بالمعيار نفسه.

وإذا كانت تريد انتقالاً سياسياً، فعليها ألا تجعل الاعتراف السياسي بأحد طرفي الحرب شرطاً مسبقاً لبدء التفاوض.

وإذا كانت تريد الحفاظ على وحدة السودان، فعليها أن تدرك أن الوحدة لا تُبنى فقط على قوة الجيش، وإنما أيضاً على وجود نظام سياسي قادر على استيعاب مكونات المجتمع السوداني بعد الحرب.

لا يمكن أن يكون هناك «حياد» من طرف واحد

ربما يكون أكبر خطأ في التعامل مع الحرب السودانية هو الاعتقاد بأن وصف أحد الطرفين بأنه «الدولة» يحل المشكلة السياسية.

الجيش مؤسسة رسمية، وهذه حقيقة، لكن وجود صفة رسمية لا يعني أن كل قرارات المؤسسة صحيحة أو أن جميع أفعالها محصنة من النقد والمساءلة.

وبالمثل، فإن الدعم السريع قوة مسلحة ارتكبت انتهاكات خطيرة، لكن ذلك لا يعني أن تجاهل وجودها العسكري والسياسي يمكن أن يؤدي إلى إنهاء الحرب.

فالوساطة ليست مكافأة للأطراف على سلوكها، وإنما وسيلة لإجبارها على وقف السلوك الذي أدى إلى الحرب.

ولهذا فإن محاسبة مرتكبي الجرائم والتفاوض مع أطراف الحرب ليسا خيارين متناقضين. يمكن أن يحدث الاثنان معاً، بل إن استمرار الحرب هو الذي يجعل المحاسبة أكثر صعوبة ويضاعف حجم الجرائم والانتهاكات.

وإذا كانت السعودية تريد استعادة موقعها كوسيط، فإن عليها أن تفصل بين موقفها من شرعية الدولة وبين دورها في عملية التفاوض. تستطيع الرياض أن ترفض الحكومة الموازية، وأن تدعم وحدة السودان، وأن ترفض تقسيم البلاد، وفي الوقت نفسه تضغط على الجيش والدعم السريع معاً من أجل وقف إطلاق النار.

أما إذا كانت ستستخدم وزنها الإقليمي لتوفير غطاء سياسي لمعسكر بورتسودان، فإن ذلك خيار سياسي مشروع لدولة ذات مصالح، لكنه ليس وساطة. وهنا يجب أن تكون التسمية واضحة.

الاختبار الحقيقي للسعودية

لا تزال السعودية تملك فرصة لاستعادة دورها كوسيط رئيسي في السودان، وربما أكثر من أي دولة إقليمية أخرى، بسبب علاقاتها مع أطراف الصراع وموقعها السياسي وقدرتها على جمع الأطراف حول طاولة واحدة.

لكن استعادة هذا الدور تتطلب شيئاً أكثر من استضافة جولة جديدة من المفاوضات. إنها تتطلب أن تثبت الرياض أن علاقتها بالجيش السوداني لا تمنعها من الضغط عليه، تماماً كما ينبغي أن تكون مستعدة للضغط على الدعم السريع.

فالوسيط الذي يضغط على خصم حليفه، لكنه يتردد في الضغط على حليفه نفسه، لا يعود وسيطاً بالمعنى الحقيقي، وإنما يصبح طرفاً أكثر أناقة في الصراع.

السودان أولاً أم النفوذ أولاً؟

في نهاية المطاف، تكشف الحرب السودانية مشكلة أوسع بكثير من الخلاف السعودي الإماراتي. إنها تكشف حدود قدرة النظام الإقليمي على التعامل مع دولة منهارة من دون أن تتحول مصالح القوى المحيطة بها إلى جزء من الصراع نفسه.

السعودية تفكر في أمن البحر الأحمر ونفوذها الإقليمي، ومصر تفكر في حدودها وأمنها القومي، والإمارات تفكر في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشبكات التجارة والنفوذ، والولايات المتحدة تفكر في الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب ومنع خصومها، بينما تبحث روسيا عن موطئ قدم استراتيجي على البحر الأحمر.

لكن السودان لا يستطيع أن يكون مستقراً إذا ظل كل طرف خارجي يتعامل معه باعتباره جزءاً من معركته الخاصة.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يحكم السياسة الدولية تجاه السودان ليس: من الذي سينتصر؟ بل: كيف يمكن منع السودان من التحول إلى دولة مقسمة؟

فانتصار الجيش لا يضمن وحده بناء دولة مستقرة، كما أن انتصار الدعم السريع لن يؤدي بالضرورة إلى نتيجة أفضل. أما استمرار الحرب، فهو في جميع الأحوال وصفة لتدمير الدولة وتفكيك المجتمع وفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية.

ومن هنا فإن المصلحة السعودية الحقيقية قد لا تكون في انتصار طرف على آخر، وإنما في منع انهيار السودان بالكامل. فالجيش يمكن أن يبقى مؤسسة أساسية في الدولة من دون أن يكون استمرار الحرب شرطاً لبقاء الدولة، كما يمكن رفض الدعم السريع كقوة عسكرية خارجة عن مؤسسات الدولة من دون افتراض أن الحل الوحيد هو القضاء عليه عسكرياً.

السؤال الذي لا تستطيع الرياض تجنبه

السؤال الحقيقي الذي تواجهه السعودية اليوم ليس لماذا تختلف مع الإمارات أو الولايات المتحدة، فهذا حق سيادي لا جدال فيه، وإنما: هل تريد الرياض أن تكون وسيطاً في الحرب السودانية، أم طرفاً إقليمياً يدعم أحد مساراتها؟

إذا اختارت الوساطة، فعليها أن تعود إلى منطق التوازن، وأن تضغط على الجيش والدعم السريع معاً، وأن تفصل بين قضية الشرعية السياسية وبين ضرورة التفاوض، وأن تجعل وقف إطلاق النار أولوية تتقدم على الحسابات المرتبطة بموازين القوة الميدانية.

أما إذا اختارت دعم معسكر بورتسودان حتى النهاية، فعليها أن تعلن ذلك بوضوح، لأن دعم طرف في الحرب ليس جريمة سياسية ولا خروجاً على حق الدول في حماية مصالحها، لكنه ليس وساطة أيضاً.

والمشكلة في الجمع بين الدورين هي أنه يمنح الجميع أسوأ ما في كل خيار: فلا السعودية تصبح وسيطاً يثق به الطرفان، ولا تتحول بصورة واضحة إلى طرف إقليمي يعلن صراحةً أنه يدعم استراتيجية محددة.

وهذا هو الخطر الأكبر على الرباعية نفسها. فإذا استمرت دولها في العمل وفق تعريفات مختلفة للسلام، فسوف تتحول المجموعة تدريجياً من أداة للضغط من أجل إنهاء الحرب إلى ساحة أخرى للتنافس على شكل السودان بعد الحرب.

وفي النهاية، فإن معيار أي دولة تدعي السعي إلى السلام ليس عدد البيانات التي تصدرها، ولا عدد المؤتمرات التي تستضيفها، وإنما استعدادها للضغط على حلفائها بالقدر نفسه الذي تستعد فيه للضغط على خصومهم.

وهنا تحديداً سيكون الاختبار الحقيقي للسعودية والإمارات والولايات المتحدة ومصر.

فالسودان لا يحتاج إلى دولة إقليمية تنتصر لرؤيتها، ولا إلى وسيط يختار طرفاً ثم يطلب من الطرف الآخر تقديم التنازلات، وإنما يحتاج إلى قوى خارجية تستطيع، ولو مؤقتاً، أن تضع معركة النفوذ جانباً وتتعامل مع وقف الحرب باعتباره مصلحة تتقدم على حسابات الانتصار.

لأن الخطر لم يعد أن ينتصر الجيش أو الدعم السريع، وإنما أن ينتصر منطق الحرب نفسه، وعندها قد لا يبقى في السودان طرف يمكن التفاوض معه، ولا دولة يمكن دعمها، ولا مركز سياسي يمكن إنقاذه.