EN

تاكانوميكس ضد أبينوميكس: معركة اليابان على 2.3 تريليون دولار

ليو لويس

فجأة، ومن دون تمهيد كافٍ لليابان أو للعالم، دُق جرس مواجهة فكرية بين مدرستين اقتصاديتين: «أبينوميكس» و«تاكانوميكس». والمفارقة أن المواجهة لا تجمع خصمين تقليديين، بل تضع ساناي تاكايتشي في مواجهة الإرث الاقتصادي لمعلمها السياسي الراحل شينزو آبي.

بنت تاكايتشي صعودها على الارتباط بآبي، والتعلّم منه، ومحاكاة جانب كبير من خطابه السياسي. لذلك بدا طبيعياً أن يراها كثيرون وريثة لسياساته القائمة على التحفيز الضخم، والعملة الضعيفة، وانتشال الاقتصاد من الانكماش. لكن قراراتها الأخيرة تكشف أن التشابه كان سياسياً أكثر منه اقتصادياً.

أعلنت تاكايتشي استراتيجية تقوم على استثمارات عامة وخاصة بقيمة 2.3 تريليون دولار في 17 قطاعاً استراتيجياً حتى عام 2040. تضم القائمة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وألعاب الفيديو، لكنها تستبعد، على نحو لافت، صناعة السيارات رغم موقعها المحوري في الاقتصاد الياباني.

لم توضح الحكومة بعد توزيع التمويل بين القطاعين العام والخاص. وهنا بدأ قلق الأسواق: هل تستعد تاكايتشي لفتح أبواب الإنفاق بلا قيود؟ هل ترتفع عوائد السندات الحكومية أكثر؟ وما الذي يمكنه إنقاذ الين من أدنى مستوياته منذ عقود؟

جاء الرد الأوضح من وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، التي اقترحت زيادة استثمارات صناديق التقاعد اليابانية الكبرى في الأصول المحلية. ويشمل ذلك صندوق استثمار معاشات التقاعد الحكومي، الذي يدير نحو 1.81 تريليون دولار. والمعنى الذي التقطته الأسواق كان مباشراً: اشتروا مزيداً من السندات الحكومية اليابانية.

يحمل الاقتراح دلالة تتجاوز إعادة توزيع المحفظة الاستثمارية. فهو يبدو تدخلاً لفظياً في سوق السندات من حكومة قلقة من اقتراب عائد السندات لأجل عشر سنوات من 3 في المئة. كما طُرحت فكرة السماح للأفراد بوضع السندات الحكومية داخل حسابات الادخار والاستثمار المعفاة من الضرائب.

أنشأ آبي هذه الحسابات لدفع الأسر اليابانية إلى إخراج مدخراتها النقدية نحو أصول تنطوي على مخاطرة أكبر. ولم تكن مصممة لتصبح مستودعاً للسندات الحكومية. وهنا يظهر الانفصال الحقيقي بين النهجين.

وضعت «أبينوميكس» تحسين الحوكمة في قلب مشروعها. رفعت المعايير المفروضة على الشركات والمستثمرين، ومكّنت المساهمين، وتسامحت مع نشاطهم. لم يكن آبي، رغم حماسه الأيديولوجي، مؤمناً بإدارة الدولة لكل قرار اقتصادي. كان يرى أن الحوكمة الجيدة وقوى السوق تستطيعان تخصيص رأس المال بما يخدم اليابان.

أما «تاكانوميكس» فتعيد الحكومة إلى مركز القرار. تنطلق من فكرة أن على الشركات أن تستثمر وفق خطة تضعها الدولة. وقد يتحول المساهم الذي يرى السوق أقدر من الحكومة على تخصيص رأس المال إلى عقبة، لا إلى شريك. كما أن التدخل في خيارات صندوق التقاعد يعيد إلى الذاكرة زمناً كانت فيه استقلالية المؤسسات هشة وخاضعة للسياسيين.

الأمر نفسه ينطبق على محاولة توجيه مدخرات الأفراد نحو دعم سوق السندات. فهي تفترض أن المواطن أداة لتنفيذ السياسة الاقتصادية، لا مستثمراً يختار ما يناسب مصالحه.

يمتلك كل من «أبينوميكس» و«تاكانوميكس» منطقه الداخلي، رغم تناقضاتهما. وقد يكون نهج تاكايتشي مناسباً لليابان، لكنه لم يثبت ذلك بعد. المؤكد أن العالم يحتاج إلى إدراك أن ما يجري ليس امتداداً لسياسات آبي، بل قطيعة معها. والمواجهات التي ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة ليست سوى بداية لمعركة ستصبح أكثر وضوحاً واضطراباً.

المصدر: فايننشال تايمز