EN

 كيف يعبث الذكاء الاصطناعي بعواطفنا؟

 

 جون ثورنهيل

 

لم يعد الخوف من الذكاء الاصطناعي محصوراً في الهلوسة، أو في اختلاق الوقائع، أو في تقديم معلومات غير دقيقة على أنها حقائق. هذا الخطر بات معروفاً إلى حد بعيد، من كتب وهمية تقترحها النماذج اللغوية، إلى سياسات استرجاع غير موجودة، إلى مرافعات قانونية استندت إلى قضايا لم تقع أصلاً. ومع أن المختبرات الكبرى تعمل على تحسين الدقة وربط النماذج بمصادر أوثق، فإن القاعدة الأبسط ما زالت قائمة: على القارئ أن يتعامل بحذر وأن يدقق بنفسه.

لكن القلق الأعمق قد لا يكون في الخطأ الظاهر، بل في التأثير الخفي. فمجموعة من الباحثين بدأت تسأل سؤالاً أكثر حساسية: ماذا يحدث حين لا يكتفي الذكاء الاصطناعي بصياغة النص أو تلخيصه، بل يتدخل في الطريقة التي يتواصل بها البشر مع بعضهم بعضاً؟ حين يطلب المستخدم تحسين منشور على لينكدإن، أو شرح فيديو على يوتيوب، أو وضع سياق لمنشور على منصة إكس، هل يظل النموذج أداة محايدة، أم يبدأ بدفع الرأي العام في اتجاهات بعينها من دون أن يلحظ المستخدم ذلك؟

نتيجة البحث كانت مقلقة. الدراسة، التي شارك فيها باحثون من معهد هاسو بلاتنر ومعهد أكسفورد للإنترنت ومعهد فايتسنباوم، خلصت إلى أن نماذج لغوية كبرى من عائلات مختلفة تقدم انحيازات اتجاهية ممنهجة حين تعيد كتابة النصوص أو تحسينها في قضايا خلافية. اختبر الباحثون نماذج من ميتا وميسترال وغوغل وعلي بابا على 13 موضوعاً ساخناً، بينها الإجهاض وضبط السلاح وتغير المناخ والإلحاد وعقوبة الإعدام، ثم قاسوا اتجاه الانحياز في المخرجات باستخدام أدوات رياضية وسوسيولوجية.

في إحدى الحالات، رصدت الدراسة انحيازاً لصالح الموقف المناهض للإجهاض عند استخدام خاصية “اشرح هذا المنشور” على منصة إكس، وهي الخاصية المدعومة بنموذج غروك التابع لإيلون ماسك. هذا النوع من الدفع لا يشبه التضليل التقليدي، ولا يحتاج إلى صورة مزيفة أو خبر مختلق. إنه أكثر نعومة وأصعب على المستخدم العادي أن يكتشفه، لأنه يتسلل عبر اللغة نفسها: عبر النبرة، والاختيار، والترتيب، وما يُقدَّم على أنه تحسين بريء للنص.

صحيح أن هذا النوع من “الدفعات” قد يُستخدم أحياناً في اتجاهات إيجابية، مثل تقليل الوصول إلى المحتوى المتطرف أو المؤذي للنفس، لكنه قد يعمل أيضاً في الاتجاه المعاكس، فيضخم الانقسام ويعيد تشكيل المزاج العام بما يخدم مصالح الشركات أو توجهات مطوريها. وهنا يصبح الخطر سياسياً واقتصادياً في آن واحد، خصوصاً مع اقتراب شركات الذكاء الاصطناعي أكثر من السياسة واعتماد بعضها بدرجة أكبر على عائدات الإعلانات.

المشكلة أن معظم هذه النماذج ما زالت صناديق سوداء. الدراسة نفسها لم تستطع فحص النماذج المغلقة الأكثر انتشاراً مثل ChatGPT وClaude وGemini، بل اقتصرت على النماذج مفتوحة الأوزان التي تتيح للباحثين النظر في بعض مكوناتها الداخلية. وهذا يعني أن الجمهور يعتمد، إلى حد كبير، على حسن تقدير الشركات نفسها، من دون قدرة فعلية على التدقيق الخارجي المستقل.

هذا ما يجعل مؤشرات السلامة الأخيرة أكثر إثارة للقلق. ففي تصنيف أعده معهد “مستقبل الحياة” وشمل أكبر مختبرات الذكاء الاصطناعي، حصلت أنثروبيك وأوبن إيه آي وغوغل ديب مايند على أفضل التقييمات النسبية، فيما جاءت xAI وDeepSeek وMistral في ذيل القائمة. ومع ذلك، لم يحصل أي مختبر على تقييم أعلى من C+، بينما نالت الجهات الثلاث الأخيرة درجات رسوب. الرسالة هنا واضحة: حتى أفضل اللاعبين لا يبعثون على اطمئنان كامل.

إذا كان الخطر الذي مثلته وسائل التواصل الاجتماعي خلال العقد الماضي هو “اختطاف الانتباه”، فإن الخطر الجديد قد يكون “اختطاف العاطفة”. هذا الوصف الذي يطرحه ماكس تيغمارك لا يبدو مبالغاً فيه، لأن قدرة النماذج على الإقناع، وتعديل الصياغة، وإعادة ترتيب الأفكار، قد تتحول سريعاً إلى قدرة على تشكيل المواقف نفسها. والأسوأ أن هذا المجال ما زال، في كثير من الأماكن، متقدماً على التنظيم.

مع ذلك، بدأت بعض الإشارات التنظيمية بالظهور. ولاية إلينوي أصبحت أول ولاية أميركية تقر قانوناً لسلامة الذكاء الاصطناعي يفرض تدقيقاً مستقلاً من طرف ثالث. وقد تتبعها ولايات أخرى. لكن السؤال الذي يظل مفتوحاً هو ما إذا كان التنظيم سيلحق بسرعة بتقنيات باتت قادرة، بهدوء شديد، على تغيير ما نفكر فيه وكيف نشعر به.

عن  فايننشال تايمز