ستكثر مظاهر التبجيل والحزن والولاء، لكن رسائل محور المقاومة تختزل واقعاً أكثر تعقيداً
حارث حسن*
في يونيو الماضي، زار حيدر الكلابي، عضو البرلمان العراقي المرتبط عن قرب بقوات الحشد الشعبي، السفارة الإيرانية في بغداد مع عدد من النواب، لشكر السفير الإيراني على نقل طلبهم إقامة بعض مراسم تشييع علي خامنئي في العراق، ضمن موكب متعدد الأيام بين 3 و9 يوليو يشمل مدناً عدة في إيران والعراق.
كان هذا الطلب نفسه، على الأرجح، جزءاً من عرض سياسي مُعدّ بعناية حول جنازة المرشد الأعلى الإيراني الراحل. فقرار إقامة بعض المراسم في العراق، قبل دفنه في مشهد، كان شبه مؤكد أنه اتُخذ مسبقاً، وكانت التحضيرات له جارية منذ أسابيع. وعندما زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العراق في أوائل يوليو، لم تكن رحلاته إلى النجف وكربلاء وزياراته لمراقد الأئمة الشيعة تهدف فقط إلى إظهار التدين، بل أيضاً إلى تقييم الظروف المحلية ومدى الجاهزية لمراسم التشييع، وربما قياس الوضع الأمني والمزاج العام.
وكما اتضح لاحقاً، أولت السلطات الإيرانية اهتماماً استثنائياً برمزية الجنازة ومشهدها، لإرسال رسالة مفادها أن الجمهورية الإسلامية لا تزال تتمتع بشرعية شعبية واسعة، ليس داخل إيران فقط، بل في العالمين الشيعي والإسلامي الأوسع، خصوصاً في البلدان التي تنشط فيها فصائل تنتمي إلى “محور المقاومة” العابر للحدود.
الأداء السياسي جزء من التعبير عن القوة في كل مكان، لكنه في الأنظمة ذات النزعات الشمولية والميل القوي إلى احتكار الحقيقة، مثل الجمهورية الإسلامية، يصبح آلية مركزية لإعادة إنتاج النظام السياسي. فالمشاركة في هذه الطقوس، وأداء الأدوار المرسومة داخلها، يعيدان تأكيد علاقات القوة القائمة وتطبيعها.
رصدت المنظّرة السياسية ليزا وِدين ظاهرة مشابهة في كتابها “غموض السيطرة”، عن سوريا في عهد حافظ الأسد. فقد جادلت بأن النظام لم يكن يطلب من السوريين أن يؤمنوا فعلاً بادعاءاته؛ بل كان يطلب منهم فقط أن يتصرفوا كما لو أنهم يؤمنون بها. وقد شهدتُ ظاهرة مماثلة في العراق تحت حكم صدام حسين. كانت الحياة اليومية محكومة بذلك الانقسام الذي وصفه الاقتصادي تيمور كوران بين الحقائق الخاصة والأكاذيب العامة: بين قناعات تُقال في السر، وأكاذيب تُؤدّى في العلن.
وهذا يصف، بشكل متزايد، حال الحشد الشعبي في العراق اليوم. فقد تطور الحشد من قوة جرى تعبئتها للدفاع عن المجتمع الشيعي ضد تنظيم الدولة الإسلامية إلى فاعل سياسي مهيمن يسعى إلى الحفاظ على سلطته، والسيطرة على المجال العام، وتأديب خصومه. وقد خلق، على نحو متزايد، مناخاً باتت فيه إحياءاته ومشاهده العامة تشبه العروض الطقسية التي ارتبطت سابقاً بحزب البعث، بما يجعل التمييز بين التأييد الحقيقي والامتثال الروتيني أمراً صعباً.
لكن إيران اليوم، خلافاً للعراق، تقدم صورة أكثر تعقيداً من مجرد الامتثال الأدائي. فمن الواضح أن كثيراً من الإيرانيين، بغض النظر عن موقفهم من النظام نفسه، ينظرون إلى موت خامنئي في عمل عدواني أميركي إسرائيلي باعتباره تضحية تستحق الحداد، وربما الفخر أيضاً. فهو، في نظرهم، قائد بذل حياته في سياق الدفاع عن بلاده وقت الحرب.
هذه المشاعر ظاهرة بوضوح في أحاديث الإيرانيين داخل البلاد وخارجها، وعبر منصات التواصل الاجتماعي. وهي تشير إلى أن كثيراً من المشاركين في الحداد تحركهم عاطفة حقيقية، لا مجرد أداء مسرحي. وهذا لا يلغي أن النظام يرى في هذا التعاطف، الذي يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية ولا تحركه بالضرورة المخاوف أو الامتثال السياسي، فرصة لتجديد شرعيته وتوسيعها. وما إذا كان سينجح في ذلك سيتوقف بدرجة كبيرة على الخيارات التي سيتخذها عندما تبدأ الاستجابة العاطفية المباشرة بالتراجع.
لكن ماذا عن العراقيين المنتظرين نعش المرشد الأعلى؟
من المرجح أن يشارك عشرات الآلاف من العراقيين في المراسم. وستكثر مظاهر التبجيل والحزن والولاء، بما يسمح للجمهورية الإسلامية بإظهار أن نفوذها يتجاوز حدودها بكثير، وأن ملايين الشيعة غير الإيرانيين، إلى جانب الإيرانيين، ينظرون إلى خامنئي بوصفه أحد رموزهم.
لهذا الغرض، شكل الحشد الشعبي لجنة عليا لتنظيم مراسم التشييع في مدينتي النجف وكربلاء المقدستين. وأعلن مسؤولون أن أكثر من 25 ألف عنصر من الحشد سينتشرون لتأمين موكب الجنازة، بينما ستوفر نحو 351 موكباً دعماً لوجستياً في النجف وحدها، بحسب قناة على تليغرام مرتبطة بمحور المقاومة. ولاحظ مراسلو “شفق نيوز” أن الشوارع الرئيسية، خصوصاً طريق النجف ـ الكوفة، غُطيت بالأعلام العراقية والإيرانية، فيما انتشرت صور المرشد الإيراني الراحل في الساحات العامة والتقاطعات وشاشات الإعلانات في النجف، في مشهد وصفه سكان محليون بأنه غير مسبوق.
في الوقت نفسه، بدأ فاعلون مختلفون يؤدون أدوارهم. أعلنت مجالس محافظات في وسط وجنوب العراق يوم التشييع عطلة رسمية. وأعلنت الإدارات المحلية استكمال الاستعدادات. ووقّع 55 نائباً عريضة تطالب بإعلان يومي الحداد عطلتين رسميتين، لإتاحة الفرصة أمام العراقيين للمشاركة في مراسم الجنازة. وقالت اللجنة المنظمة إن 3 آلاف صحافي سيغطون الحدث، ورتبت حافلات وقطارات لنقل آلاف المشيعين. وفي الوقت ذاته، جددت الفصائل المتحالفة مع إيران عهود الولاء للزعيم الراحل ولابنه مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد.
كل ذلك كان جزءاً من ذخيرة أوسع للأداء السياسي. فبالنسبة إلى محور المقاومة، قدمت الجنازة فرصة لاحتكار الفضاء العام، ولو لأيام معدودة، وإعادة تأكيد روايته السياسية، وإظهار أنه لا يزال قوة نافذة.
لكن الرسالة التي يسعى المحور إلى بثها تختزل، حتماً، واقعاً أكثر تعقيداً. ليس كل مشارك مدفوعاً بأهداف سياسية. كثيرون سيؤدون ببساطة ما يرونه واجباً دينياً أو اجتماعياً تجاه فقيه شيعي بارز، ومن نسل النبي محمد، قُتل غدراً على يد عدو هو إسرائيل، التي يوجد إجماع شعبي واسع ضد عدوانيتها وتوسعها.
انعكس هذا المنظور في الدعوة التي أصدرها أحد ممثلي المرجع الأعلى علي السيستاني، وحث فيها على المشاركة في تشييع خامنئي، مع التأكيد أن الحضور يهدف إلى التعبير عن الاحترام لمرجعية دينية بارزة، ولا صلة له بالمواقف السياسية. وقبل أشهر، وبعد أيام فقط من اغتيال خامنئي، أُقيم مجلس عزاء في النجف، حيث استقبل اثنان من أبناء السيستاني المعزين. لم تكن هذه الإشارات تعني اصطفافاً سياسياً كاملاً، بل عكست إحساساً بالواجب تجاه فقيه شيعي كبير وزعيم سياسي إسلامي قُتل في هجوم عسكري على بلاده.
وقال محمد رضا، نجل السيستاني المؤثر، إنه في الظروف العادية كان من واجب والده الديني، بوصفه المرجع الشيعي الأبرز، أن يؤم صلاة الجنازة على جثمان خامنئي، لكن تقدمه في السن ووضعه الصحي حالا دون ذلك.
لطالما كانت العلاقة بين كبار رجال الدين في النجف والجمهورية الإسلامية معقدة وحساسة. فقد سعى السيستاني إلى الحفاظ على قدر من المسافة عن السياسات الإقليمية والخارجية لطهران. ظهر ذلك، على سبيل المثال، في رسالة التعزية المصاغة بحذر التي أصدرها بعد مقتل الجنرال قاسم سليماني، والتي خلت بصورة لافتة من الخطاب السياسي، وكذلك في الانتقادات التي وجهها ممثله خلال خطبة الجمعة في كربلاء بعد أيام قليلة، ضد تحويل العراق إلى ساحة مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
في الوقت نفسه، لم يكن بوسع السيستاني ولا من حوله الغياب ببساطة عن حدث بهذا الحجم. لذلك سعوا إلى التعبير عن التعاطف والتضامن، مع تفادي التأطير الأيديولوجي الصريح الذي يميز خطاب محور المقاومة وفصائله.
ولا ينبغي إغفال توقيت الجنازة. فهي تجري خلال محرم، حين يتقاطر ملايين الزوار على كربلاء والنجف لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين. ومن الصعب تجاهل تلاقي هاتين الشهادتين. فشهادة خامنئي، بوصفه من نسل الحسين، تُدرج في سلسلة متصلة من التضحيات التي غذّت المخيال الديني الشيعي لقرون.
لا شك أن كثيرين من المجتمعين حول النعش سيختبرون الحدث بهذه المعاني تحديداً. حتى كثيرون ممن دعموا حركة احتجاجات تشرين، التي نُظر إليها على نطاق واسع باعتبارها تهديداً لنفوذ إيران وللنخبة السياسية والعسكرية الشيعية الإسلامية المتحالفة معها، عبّروا عن تعاطفهم مع إيران، ومن المتوقع أن يشارك بعضهم في موكب التشييع.
لا ينبغي تفسير ذلك كتضامن مع النخبة الشيعية الإسلامية الحاكمة، التي يندد بها كثير من هؤلاء بوصفها فاسدة، أو مع محور المقاومة، الذي يتهمونه بإخضاع العراق لطهران. بل يعكس معارضة لما يرونه عدواناً أميركياً إسرائيلياً، أو إحساساً كامناً بالتضامن الطائفي لا يطفو عادة إلا في لحظات تُصوَّر كصراعات وجودية، وهو توصيف استخدمه كثيرون لوصف المواجهة الحالية.
غير أن آخرين سيشاركون من باب التقليد، أو بسبب جاذبية الطعام المجاني، أو ببساطة لأنهم موجودون في المكان. وبعضهم، بمن فيهم شيوخ عشائر أصدروا بيانات تحث أبناء عشائرهم على المشاركة بأعداد كبيرة، يُرجح أنهم مدفوعون بالمنافع المحتملة التي تأتي من إرضاء فاعلين أقوياء. ويذكّر سلوكهم ببيانات الولاء الروتينية التي كان يصدرها شيوخ العشائر في عهد صدام حسين.
في النهاية، ستجمع الجنازة بين منظمين نشطين، مثل الحشد الشعبي، ومشاركين أكثر سلبية، مثل الصدريين، الذين رحّب زعيمهم بجثمان “القائد الشهيد”، وطيف واسع من آخرين لا تخضع دوافعهم وأشكال مشاركتهم لتفسير مباشر.
وهكذا يتداخل المشهد المُنظّم بعناية، الذي شيدته مؤسسات محور المقاومة، مع العاطفة العفوية والطقس الديني وأشكال التعاطف غير السياسي، بما يجعل من الصعب قبول الرواية الرسمية بلا نقد، أو رفضها بالكامل. يستفيد المحور تحديداً من هذا الغموض في التضامن، ومن تنوع الدوافع التي تنتجه، وهي غموضات تظهر مراراً داخل التقاطعات المعقدة بين الهوية والطقس الجماعي. ولأن المحور يستند على نطاق واسع إلى الرمزية والأسطورة الشيعيتين، فإنه يتمتع بمساحة كبيرة للاستحواذ على الطقوس والممارسات الدينية وإعادة تشكيلها بما يلائم روايته السياسية.
مثال واضح على ذلك فتوى الجهاد الكفائي الدفاعية التي أصدرها السيستاني عام 2014 رداً على تهديد تنظيم الدولة الإسلامية. فقد نجحت الفصائل المتحالفة مع المحور في استخدام التعبئة التي ولّدتها الفتوى لتوسيع نفوذها العسكري والسياسي وانتشارها الجغرافي، وترسيخ سيطرتها على مؤسسات رئيسية في الدولة، وتأمين وصول مستدام إلى ريوع النفط، وفي النهاية إنتاج طبقة سياسية جديدة يمثل الكلابي المذكور وأقرانه بعض وجوهها.
يمتلك الفاعلون المكوّنون للمحور هويات هجينة. وهم يبذلون غالباً جهداً كبيراً للتوفيق بين هذه الانتماءات المختلفة، أو، عندما يتعذر التوفيق، لاختراع صيغ لغوية تبدو كأنها تجسر الهوة بينها. أحد الأمثلة على ذلك تبنّي فصائل المقاومة العراقية مصطلح “غرب آسيا” عند وصف جغرافيا الصراع الإقليمي. هذا المصطلح، المستعار مباشرة من القاموس السياسي للجمهورية الإسلامية، يؤدي وظائف عدة. فهو يسعى إلى خلق جغرافيا ذهنية بديلة عن مفاهيم مثل المشرق العربي أو الخليج أو الشرق الأوسط، ويربط رمزياً المكونات المختلفة للمحور عبر إيران والعراق ولبنان واليمن وفلسطين. وهكذا تظهر “غرب آسيا” كفضاء جيوسياسي يتمحور حول الجمهورية الإسلامية، ويقدم طريقة لإعادة تخيل موقع المركز وعلاقته بالأطراف. غير أن معظم الشيعة العراقيين لم يستخدموا هذا المصطلح تقليدياً. وبالنسبة إلى كثيرين، يبدو غريباً، لكن التعرض المتكرر له عبر شبكات إعلامية واسعة تابعة للمحور قد يطبّعه تدريجياً.
تنطبق العملية نفسها على ذخائر رمزية أخرى يروّجها المحور عبر خطابه وشعاراته وجمالياته وممارساته الجسدية: شعار البندقية المائلة الذي أصبح الرمز المميز لكثير من الفصائل الشيعية المسلحة؛ واللحى المميزة التي يعتمدها قادتها؛ والأناشيد التي تنشرها حسابات التواصل الاجتماعي المؤيدة للمحور والقنوات التلفزيونية التابعة لاتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية، وهو ائتلاف مقره طهران أسسته وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي الإيرانية.
تتسم علاقة المحور ببيئاته الاجتماعية المحيطة بالتفاوض والإكراه في آن واحد. يظهر التفاوض في محاولاته استيعاب هويات وذخائر رمزية متعددة، بما في ذلك الهوية الوطنية. فحزب الله يقدم صراعه بوصفه سعياً إلى تحرير لبنان والدفاع عن سيادته، بينما يصور الحشد الشعبي نفسه مدافعاً عن العراق ووحدته الترابية. ورغم أن الرؤية الإسلامية للمحور ترفض نظرياً الحدود الوطنية، خصوصاً تلك التي تُعد نتاجاً للاستعمار، فإن قيود الواقع السياسي تجبره على التعايش مع هذه الحدود، بل وتبنّي لغة قومية داخل خطابه السياسي.
لكن لهذه القدرة على الاستيعاب حدوداً واضحة. فغالباً ما يصعب التوفيق بين مبادئ متناقضة من دون إنتاج رواية تبدو متكلفة أو حتى ساخرة من نفسها. عند هذه النقطة تحديداً يظهر البعد السلطوي للمحور: عبر خطاب إقصائي يصف المعارضين بالخونة، وغالباً ما يصاحبه عنف ضد النقاد المحليين. وقد شهد العراق هذه الممارسات مراراً، سواء عبر الاغتيالات والخطف التي استهدفت من اتُّهموا بالتعاون مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، أو عبر إسكات المعارضة بمساعدة مؤسسات عامة مثل هيئة الإعلام والاتصالات، التي لا تزال واقعة بدرجة كبيرة تحت نفوذ قوى سياسية شيعية إسلامية.
وخلافاً لما يفترضه بعض المراقبين، لا يحافظ المحور على نفوذه العابر للحدود من خلال مشروع عقائدي متماسك وصلب وحده، ولا عبر حملة شاملة ضد مجتمع يُفترض أنه “جاهلي”، كما حاولت منظمات سلفية جهادية سنية أن تفعل سابقاً. بل يعتمد على التكيف مع بيئات اجتماعية وثقافية متنوعة، والارتجال الخطابي، واختراق المؤسسات، والتأثير في مسؤولين فاسدين داخل الدولة، وشبكات الزبائنية، إلى جانب نواة ملتزمة من المؤمنين المستعدين للتضحية بحياتهم من أجل مبادئه الأساسية.
ستجسد جنازة خامنئي في العراق كل هذه الديناميات في وقت واحد. ستعكس غموض التضامن الذي يُبقي محور المقاومة قائماً، وقد يكون ذلك وحده كافياً لضخ زخم جديد في حركة تواجه حالياً ضغطاً شديداً وصراعاً وجودياً.
حارث حسن باحث مشارك ومدير أكاديمي في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، ومؤلف كتاب “المرجعية الدينية الشيعية في العراق”.