تطمح نيودلهي إلى البقاء على الحياد، لكن ذلك لم يعد خياراً جدياً في ظل التهديد الصيني.
ساداناند دهومي
قد تؤدي المنافسة في الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين إلى نتيجة غير مقصودة: إنهاء فعلي لعقيدة “الاستقلالية الاستراتيجية” في السياسة الخارجية الهندية. رسمياً، قد ترفض الهند الاصطفاف مع الولايات المتحدة. لكنها، مثل معظم القوى المتوسطة، لا تملك هامش مناورة كبيراً.
إن بروز الهند، أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، كحليف تكنولوجي فعلي للولايات المتحدة يغيّر ميزان القوة في آسيا وخارجها. وقد توسّع هذه العلاقة الفجوة بين شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية ومنافسيها الصينيين. كما يمكن أن تعزز القدرة التنافسية الأميركية في أجزاء أخرى من “الجنوب العالمي”، وهو مصطلح فضفاض يشير إلى الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
لن يكون من السهل على الهند أن تقبل بأن مستقبلها التكنولوجي القريب مرتبط بالولايات المتحدة. فقد زاد تقلّب الرئيس ترمب من المخاوف الهندية القديمة بشأن موثوقية واشنطن. ويحلم كثير من القوميين الهنود بأن تتحول الهند إلى قطب تكنولوجي ثالث ينافس الولايات المتحدة والصين.
لكن هذا غير واقعي. الطريق الأوضح أمام الهند لتحديثها التكنولوجي يمر عبر تعميق التعاون مع الولايات المتحدة وحلفائها. ولإبقاء هذا التعاون على مساره، ستحتاج واشنطن إلى إقناع نيودلهي بأنها، بخلاف الصين، تسعى إلى شراكة متبادلة المنفعة، لا إلى شكل من أشكال التبعية الرقمية.
بالنسبة للهند، اللحاق بالركب ليس خياراً مطروحاً. يقول آدم سيغال، الخبير في التقنيات الناشئة في مجلس العلاقات الخارجية، في مقابلة هاتفية، إن الذكاء الاصطناعي قد يصل قريباً إلى مرحلة “التحسين الذاتي المتكرر”، حيث تطور التكنولوجيا نفسها بنفسها. وإذا حدث ذلك، فإن “الفجوة بين الولايات المتحدة والصين من جهة، والقوى المتوسطة من جهة أخرى، ستتسع أكثر”.
ويقول سيغال إنه إذا تحقق هذا التحسين الذاتي، وهو احتمال يراه كثير من الخبراء مرجحاً، فستحتاج الهند إلى تكييف الذكاء الاصطناعي الأميركي أو الصيني بدلاً من تطوير نموذج متقدم خاص بها ينافس نماذج مثل ChatGPT وClaude، أو النماذج الصينية مثل Qwen وDeepSeek.
وقد أظهرت نيودلهي بالفعل تفضيلها للغرب. فمنذ فبراير، أصبحت الهند عضواً في مبادرة “Pax Silica”، وهي مبادرة تقودها الولايات المتحدة وتهدف إلى تأمين سلاسل إمداد الذكاء الاصطناعي. والاسم يوحي ببديل لـ“Pax Sinica”، وهو مصطلح يشير إلى نظام تهيمن عليه الصين. ومن بين 24 دولة موقعة على Pax Silica، أو 25 إذا أُدرجت تايوان كمشاركة غير موقعة، فإن الغالبية العظمى هي حلفاء تقليديون للولايات المتحدة. ثمانية منها أعضاء في حلف شمال الأطلسي. ولا تنتمي إلى مجموعة “بريكس” التي تقودها الصين وروسيا سوى دولتين فقط: الهند والإمارات العربية المتحدة. والهند عضو مؤسس في بريكس.
تجسد عضوية الهند في تكتلات متنافسة سعيها الممتد منذ عقود إلى رسم مسار مستقل في السياسة الخارجية. تبدلت التسميات مع الوقت، من عدم الانحياز إلى الاستقلالية الاستراتيجية ثم تعدد الاصطفافات، لكن الجوهر بقي كما هو: الهند تتجنب التحالفات الرسمية، لأنها تراها قيوداً على استقلال قرارها.
تبدو الهند مرتاحة ظاهرياً للانضمام إلى تكتلات تقودها الولايات المتحدة، مثل Pax Silica و”كواد”، الذي يضم الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا، وفي الوقت نفسه البقاء ضمن بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، وهي منظمة أمنية تقودها الصين وروسيا.
تميل النخب الهندية إلى إضفاء طابع رومانسي على فكرة الهند كقوة تكنولوجية مستقلة. وتشير إلى برنامج الهند النووي المحلي، الذي اختبر أول سلاح نووي عام 1974، وإلى برنامجها الفضائي منخفض الكلفة، الذي جعلها في عام 2023 أول دولة تهبط بمركبة قرب القطب الجنوبي للقمر. وعزز هذه الثقة النجاح العالمي لشركات خدمات البرمجيات الهندية، وبروز رؤساء تنفيذيين من أصول هندية على رأس شركات تقنية أميركية مثل Google وMicrosoft وIBM.
ويشير أنصار السيادة التكنولوجية في الهند إلى نقاط قوة البلاد. فبحسب بعض التقديرات، تضم الهند نحو خمس مهندسي تصميم الرقائق في العالم. ولدى شركات كبرى مثل Nvidia وQualcomm وAMD مراكز تصميم في الهند. ويضاف إلى ذلك توسع قدرات معالجة المعادن الحيوية، والكم الهائل من بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي الذي يولده عدد سكان الهند الضخم، والدور المحتمل لشركات تكنولوجيا المعلومات الهندية في نشر الذكاء الاصطناعي داخل الاقتصادات الأقل تقدماً تكنولوجياً. كما تمتلك الهند بنية رقمية متقدمة، تشمل نظام هوية بيومترية، وواجهة دفع رقمية، ومنصة تخزين آمنة.
لكن هذه الإنجازات لا تعني أن الهند قريبة من دخول سباق نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة. فقد أوضحت ورقة نشرها هذا العام “مؤسسة الابتكار الأميركي” أن هذا السباق هو عملياً سباق بين قوتين فقط: الولايات المتحدة، التي تتصدر، والصين.
معظم الاستثمارات الأجنبية في قطاعات التكنولوجيا الهندية تأتي من شركات أميركية أو متحالفة مع الغرب. ويشمل ذلك نحو 67 مليار دولار تعهدت بها Microsoft وGoogle وAmazon، من بين أهداف أخرى، لبناء مراكز بيانات وتعزيز قدرات الحوسبة السحابية. كما تدفع الجغرافيا السياسية نيودلهي بعيداً عن بكين: فالصين تطالب فعلياً بأراض هندية، وتحاول إبطاء التقدم الهندي عبر تعطيل صادرات المعدات، وثني المهندسين الصينيين العاملين لدى شركات تايوانية عن نقل المعرفة إلى الهنود. كما أن الصين هي الداعم الرئيسي ومورد السلاح الأهم لباكستان.
يقول سمير لالواني، من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، في مقابلة هاتفية: “قد تكون لدى الهند فجوة ثقة مع الولايات المتحدة. لكن مع الصين، لا توجد ثقة على الإطلاق”.