الإدارة تطارد تكنولوجيا غير مثبتة، بينما كان بوسعها تشجيع استثمارات وول ستريت في المفاعلات الكبيرة.
بول إتش. تايس
وقّع الرئيس ترامب في مايو 2025 سلسلة من الأوامر التنفيذية المصممة لـإطلاق نهضة في الطاقة النووية. ووعدت الإدارة باتباع نهج حكومي شامل يهدف إلى إعادة ترسيخ الولايات المتحدة كقائد عالمي في الطاقة النووية. وبعد أكثر من عام، لم تقترب الحكومة الفيدرالية من تحقيق هدفها المعلن المتمثل في مضاعفة قدرة توليد الطاقة النووية في الولايات المتحدة أربع مرات، من نحو 100 غيغاواط في 2024 إلى 400 غيغاواط بحلول 2050.
في أبريل الماضي، أصدرت وزارة الطاقة تقريرها السنوي لتوقعات الطاقة، متضمناً تقديرات لقدرات توليد الكهرباء حتى عام 2050 وفق سيناريوهات مختلفة. وتُظهر تقديرات الوزارة، سواء في السيناريو الأساسي أو في سيناريو الطلب المرتفع على الكهرباء، عدم وجود أي زيادة في قدرة التوليد النووي الأمريكية خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة، بل تشير في الواقع إلى تراجع طفيف بالقيمة المطلقة.
تسهم عدة عوامل في غياب التقدم لدى الإدارة في الملف النووي. أولاً، يبدو أن البيت الأبيض وقع في فخ التكنولوجيا. فبدلاً من التمسك بما تعرف الصناعة كيف تبنيه وتديره، أي المفاعلات الكبيرة ذات القدرة الغيغاواطية من نوع الماء المضغوط والماء المغلي، ركّز المسؤولون بشكل مفرط على اعتماد تقنيات أحدث، مثل طاقة الاندماج، وتصاميم أكثر تقدماً، خصوصاً المفاعلات المعيارية الصغيرة، وكلها غير مثبتة على نطاق تجاري، ومن المرجح ألا تحدث فرقاً حقيقياً في حجم التوليد.
تفسّر متلازمة الانبهار بالأشياء اللامعة لماذا يضم الأسطول النووي الأمريكي الحالي، المؤلف من 96 مفاعلاً عاملاً، أكثر من 50 تصميماً تجارياً مختلفاً للمفاعلات، وهو مستوى مفرط من التنويع لا تبرره اعتبارات الأمن القومي. وعلى مدى السنوات الستين الماضية، أدت دوامة التكرار والتعديل بلا نهاية إلى تعقيد غير ضروري في عملية تنظيمية معقدة أصلاً، وحرمت الصناعة النووية من عملية التعلم الطبيعية ومن وفورات الحجم التي تأتي مع التوحيد والتكرار.
ثانياً، بدلاً من بناء دفتر طلبات أمريكي قوي لمفاعلات كبيرة جديدة، سمحت الإدارة لنفسها بأن تنشغل باتفاقات تجارة نووية عديمة الجدوى، مثل الاتفاق الذي وُقع مع المملكة المتحدة في سبتمبر الماضي. فالسياسة البريطانية في مجال الطاقة ضعيفة ومتخبطة، خصوصاً في الطاقة النووية. ولن يوفر الدعم والمصداقية اللازمين لإعادة بناء الصناعة النووية الأمريكية، بما في ذلك سلاسل الإمداد والقوى العاملة الصناعية المطلوبة، إلا طلب محلي قوي.
يُحسب لترامب أنه دفع باتجاه بناء مزيد من مفاعلات وستنغهاوس AP1000 بقدرة 1.1 غيغاواط، وهي التصميم الوحيد من الجيل الثالث بلس الذي جرى بناؤه وتشغيله في الولايات المتحدة خلال هذا القرن، لكن الإدارة تسلك الطريق الخطأ لتحقيق ذلك.
في أكتوبر الماضي، وقّع البيت الأبيض شراكة بين وزارة التجارة ومالكي وستنغهاوس لإطلاق بناء 10 وحدات جديدة من طراز AP1000 بقيمة 80 مليار دولار في الولايات المتحدة، على أن يبدأ البناء في 2030. وفي مقابل الدعم المالي الحكومي عبر مكتب برامج القروض في وزارة الطاقة وتسريع التصاريح والموافقات التنظيمية، ستحصل الحكومة الأمريكية على حصة مشاركة في توزيعات وستنغهاوس النقدية، وعلى خيار الاستحواذ على 20% من أي طرح عام أولي مستقبلي للشركة وفق شروط محددة.
لكن خلال الأشهر الثمانية التي تلت إعلان صفقة وستنغهاوس، لم يُوقّع أي عقد لبناء مفاعل AP1000 داخل الولايات المتحدة. ولا تتحرك شركات المرافق الكهربائية الأمريكية لأن آخر وحدتين من هذا الطراز، اللتين اكتمل بناؤهما بين 2023 و2024، تجاوزتا الميزانية بكثير واستغرقتا أكثر من عقد لإنجازهما، ما أدى في النهاية إلى إفلاس وستنغهاوس.
اليوم، لا يكمن تحدي بناء قدرات توليد جديدة في جانب العرض، بل في جانب الطلب. فبعد خروجها من الإفلاس تحت ملكية جديدة، باتت وستنغهاوس في وضع مالي قوي. لا يوجد نقص في رأس المال، ولا حاجة إلى دعم وستنغهاوس عبر ملكية حكومية أمريكية. الجمود الحالي سببه بالأحرى إحجام عملاء المرافق، بطبعهم المتجنب للمخاطر، عن تحمل الالتزامات الرأسمالية الضخمة والعوائد الضعيفة المرتبطة ببناء مشاريع نووية جديدة من الصفر.
وبسبب مخاطر الاستثمار الكبيرة، لا توجد شركة مرافق كهربائية أمريكية مستعدة للمضي في مشروع AP1000 جديد، رغم أن التكنولوجيا باتت أقل خطورة بفضل الوحدات القائمة التي تثبت جدواها التجارية، ورغم أن البناء التالي يفترض أن يكون أرخص وأسرع من التجربة السابقة، التي شهدت في نهايتها اضطرابات صناعية مرتبطة بكوفيد.
وللتغلب على ضعف الطلب، يستطيع ترامب استغلال حقيقة أن عدداً متزايداً من شركات المرافق الكهربائية الأمريكية بات مملوكاً لصناديق أسهم خاصة متخصصة في البنية التحتية، تديرها بلاك روك وبلاكستون وغيرها من شركات الاستثمار المتقدمة. ويتمتع هؤلاء المستثمرون في الأسهم الخاصة بمهارات أقوى في إدارة المخاطر وخبرة أكبر في التطوير مقارنة بشركات المرافق التقليدية، وهم أقدر على التعامل مع مشاريع بناء المفاعلات النووية، التي تنسجم جيداً مع أطروحة الاستثمار المرتبطة بالنمو في عمليات الاستحواذ على شركات المرافق.
يمكن لترامب أن يستخدم أسلوبه التجاري المعتاد: يستدعي كبار مديري صناديق الأسهم الخاصة المتخصصة في البنية التحتية إلى البيت الأبيض، ويعرض عليهم لماذا ستكون الأمور مختلفة هذه المرة بفضل إصلاحاته النووية الموعودة. وسيحتاج إلى التأكيد بقوة أن بناء مفاعل AP1000 التالي لا يحتاج إلى أي قواعد تنظيمية إضافية من الوكالات، لأن المخططات النهائية، بما في ذلك أوامر التغيير المقننة، متبقية من آخر مشروع بناء.
وعندما يطلق مالكو الأسهم الخاصة عجلة AP1000 ويقدمون دليلاً عملياً على نجاح الفكرة، ينبغي أن تلحق بقية صناعة المرافق في النهاية. وسيكون هناك أيضاً حاجة إلى دفع نووي قوي من لجان المرافق في الولايات والوكالات الفيدرالية، لأن المديرين التنفيذيين في شركات المرافق المنظمة يتجنبون المخاطر، ودعم الجهات التنظيمية سيساعدهم على اتخاذ قرارات الاستثمار.
الطاقة النووية ضرورية للمساعدة في استقرار شبكة الكهرباء الأمريكية ومواكبة النمو المتسارع في الطلب الناتج عن الاقتصاد الرقمي. وبالنظر إلى أن بناء مفاعل AP1000 جديد يستغرق، في أفضل السيناريوهات، بين أربع وخمس سنوات، تحتاج إدارة ترامب إلى التحرك بسرعة. وإلا فإن نهضة الطاقة النووية الحالية سيكون لها عمر نصف أقصر حتى من النهضة السابقة.
بول إتش. تايس زميل أول في المركز الوطني لتحليلات الطاقة، ومؤلف تقرير استراتيجية تمويل المستقبل النووي.