أخبار عالمية تقدم إشارات واضحة حول ما يهم في المستقبل

EN

-

آراء

من الحرب إلى الصفقة: كواليس المفاوضات التي غيّرت مسار إيران

Facebook
LinkedIn
X
Facebook

ديفيد إغناطيوس

من خلال الاستماع إلى المفاوضين الأمريكيين والعرب وهم يروون تفاصيل مفاوضاتهم الطويلة والمتعرجة مع إيران على مدى الأشهر الخمسة الماضية، يتولد لديّ شعور بأن الإطار الذي أُعلن عنه يوم الأحد ليس نهاية هذه القصة، بل خطوة وسيطة؛ خطوة قد تثبت في نهاية المطاف أنها فشل ذريع، أو أنها، كما تأمل إدارة ترامب، بداية تحول استثنائي نحو إيران حديثة.

لنكن صريحين: من الناحية الدبلوماسية، يُعدّ هذا الاتفاق مخرجاً من حرب مكلفة وغير شعبية، وليس احتفالاً بالنصر. كما أنه لا يرقى إلى مستوى وعود الرئيس دونالد ترامب المبكرة بشأن تغيير النظام والاستسلام غير المشروط. حتى إن أحد مستشاري ترامب المقربين يقرّ قائلاً: “الأمر غير محسوم في الوقت الراهن، بمعنى أنه لا يمكن القول إنه كان نجاحاً باهراً، ولا يمكن القول إنه كان فشلاً ذريعاً”.

هناك علامات استفهام أكثر من الإجابات. فلم يتم التفاوض بعد على تفاصيل الحد من برنامج طهران النووي. ويُعاد فتح مضيق هرمز، ولكن ربما بصورة مؤقتة فقط. ويبدو أن الاتفاق ينطبق على لبنان، لكن هذا لا يعني أن إسرائيل أو حزب الله سيلتزمان به. أما الأمر الأكثر إثارة للقلق فهو بقاء نظام متشدد في السلطة بطهران، قادر على تهديد جيرانه العرب وإسرائيل.

كان المفاوضان الأمريكيان الرئيسيان هما المبعوثان الخاصان لترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، صهر الرئيس وصديقه المقرب على التوالي. وهما ليسا دبلوماسيين، بل مستثمران. وقد أضفى ذلك على هذه المفاوضات طابعاً فريداً قائماً على حسابات المخاطرة والعائد. فقد بدت أقرب إلى عرض استثماري منها إلى مهمة دبلوماسية، وكان منطقها العام يقوم على “العائد مقابل المشاركة” بدلاً من “الالتزام بالإجراءات الشكلية”.

وعندما التقى كوشنر، في أبريل/نيسان، رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في إسلام آباد، قال له بصراحة: “انظر، إذا كنت تريد سعر رولز رويس، فنحن بحاجة إلى منتج رولز رويس”، وفقاً لمسؤول مطّلع على المفاوضات. وبعبارة أخرى، إذا أوفت إيران بوعودها بإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، ووقف تخصيب اليورانيوم لمدة عشرين عاماً، ووقف تصدير الثورة، فإنها ستجني مئات المليارات من الدولارات.

ويتمثل المقترح الأمريكي، في جوهره، في إعادة تمويل إيران من خلال خطة استثمار خاصة بقيمة 300 مليار دولار لتحديث البلاد. وقال مسؤول إن كوشنر أخبر الإيرانيين، على سبيل المثال، أن شركة النفط والغاز الحكومية الإيرانية قد تصبح أكبر من شركة أرامكو السعودية، بشرط أن توقف إيران أنشطتها الثورية. وأضاف المسؤول أن إيران ستبقى ضعيفة من دون الاستقرار وسيادة القانون، بينما قد تشهد ازدهاراً اقتصادياً بعد الحرب إذا أقدمت على هذه التغييرات.

وهنا يبرز التشكيك المنطقي. فقادة إيران من أشد المتشددين. وقد نجوا من قصف إسرائيلي ومحاولات اغتيال. وكثير منهم متدينون يحتقرون الغرب وقيمه. وتبدو طباعهم أقرب إلى شخصية كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، منها إلى رجال أعمال إيرانيين مهاجرين مثل دارا خسروشاهي، الرئيس التنفيذي لشركة أوبر. فهم مهتمون بالانتقام أكثر من اهتمامهم بالاستحواذ على شركات كبرى.

لكن كوشنر وويتكوف عملا من خلال وسيط استثنائي هو علي الذوادي، وزير الشؤون الاستراتيجية في مكتب الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رئيس وزراء قطر، الذي يحظى باحترام واسع. وقد جلب الذوادي معه فهماً نادراً للشرق الأوسط وثقافته. ووفقاً لإحصاء متداول، سافر إلى طهران أربع مرات خلال الأيام العشرة الماضية لوضع إطار للسلام.

ورغم أن الذوادي يكاد يكون غير معروف للعامة، فإنه كان مبعوثاً رئيسياً في محادثات السلام الخاصة بغزة، وفي فنزويلا، وفي نحو ستة مشاريع أخرى للبيت الأبيض خلال عهد ترامب. كما شارك في جهود الوساطة خلال إدارة بايدن.

وأوضح مصدر مقرّب من فريق الوساطة: “الرسالة الأساسية التي يجب أن نضعها نصب أعيننا هي أن لدينا دولة معزولة عن العالم طوال السنوات السبع والأربعين الماضية، وأفراداً لا يملكون أي تواصل خارج دائرتهم المغلقة. علينا أن نُبيّن لهم أن هناك عالماً أوسع بكثير، وأنهم سيجدون فيه مكاناً مناسباً”.

يتصور الأمريكيون أن إيران دولة دينية استبدادية، تكون فيها قرارات المرشد الأعلى حاسمة. لكن سكان المنطقة يعرفون إيران بوصفها دولة مؤسسات ذات بيروقراطية معقدة وبطيئة للغاية. وحتى الحرس الثوري، الذي يشكل أحد أعمدة النظام، متعدد المستويات، وتوجد داخله فصائل متنافسة وشخصيات متنازعة. وبفضل معرفتهم بالثقافة الإيرانية، تمكن مبعوثون من قطر، وكذلك من السعودية والإمارات، من التأثير في هذه العملية.

ويرغب الأمريكيون، مثل ترامب، في تحقيق نتائج سريعة، لكن الذوادي نجح في إبطاء وتيرة العملية. ويوضح مصدر مقرب من فريق الوساطة: “الصبر متأصل في الشخصية الفارسية. عليك التحلي بالصبر معهم لأنه سلاحهم السري. فهم قادرون على محاصرتك بالإحباط، ثم استنزافك واستغلال الموقف إلى أقصى حد”.

وقد استمرت جلسة المفاوضات الأخيرة للذوادي، التي عُقدت يوم الأحد في طهران، سبع عشرة ساعة.

وبالنسبة إلى كوشنر وويتكوف، بدأت هذه المفاوضات قبل عدة أشهر. وكادا أن يتوصلا إلى اتفاق خلال اجتماعهما مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 26 فبراير/شباط. فقد عرضت إيران اتفاقاً إطارياً، لكن الأمر كان، كما وصفه المسؤول المطلع على المفاوضات، أشبه بوجود “ثمانية ثقوب في الشبكة، بينما عرضوا ترقيع خمسة منها فقط”.

وحذر الجانب الأمريكي من أن المفاوضات قد “تنتهي بانتهاء الوقت”. وبعد يومين، شنت إسرائيل الحرب، وانضمت إليها الولايات المتحدة. وقال مسؤول إن إيران كانت تكثف إنتاجها الصاروخي عند اندلاع الحرب، حيث كانت تصنع ما يصل إلى مئة صاروخ شهرياً، وكانت “تتحرك بسرعة لإعادة بناء” ما دمرته حملة “مطرقة منتصف الليل” في يونيو/حزيران 2025.

وقد أدت الحرب إلى تقارب أعضاء النظام الإيراني. لكن بعد اتفاق وقف إطلاق النار في إسلام آباد، بدأت الانقسامات تظهر بين القادة الذين أرادوا التفاوض على اتفاق نهائي وأولئك الذين أرادوا الاستمرار في النهج الثوري.

وأبهر قاليباف الجانب الأمريكي خلال مفاوضات استمرت إحدى وعشرين ساعة في إسلام آباد، مظهراً أنه طرف معقول وقادر على التفاهم. لكنه تعرض لهجوم من قبل مسلحين لدى عودته إلى طهران، ما أدى إلى تهميشه لفترة. ووصف مسؤول مطلع على المفاوضات الصراع على القيادة الذي أعقب اجتماع إسلام آباد بأنه “مفاجئ وغير متوقع”.

ويقول المسؤول: “لقد خلقنا، إلى حد ما، هذا الوضع الذي يشهد توتراً داخلياً”. ويبدو أن قاليباف وحلفاءه يسيطرون على زمام الأمور الآن، إذ سيتوجه إلى جنيف لتوقيع الاتفاق الإطاري يوم الجمعة، لكن من المرجح أن يستمر الصراع داخل النظام.

وفي ما يتعلق بمسألة مضيق هرمز الحاسمة، استذكر المسؤول الأمريكي تصريحاً قال إنه نُسب إلى علي لاريجاني، رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني، قبل اغتياله في قصف إسرائيلي مع بداية الحرب. فقد قال لاريجاني: “إن إغلاق المضيق ورقة لا يمكن استخدامها إلا مرة واحدة”، نظراً لردة فعل الغرب المتوقعة.

وأكد المسؤول أن هذا التقييم كان صحيحاً. فالتغييرات التي ستطرأ بعد الحرب ستتيح دفاعاً أفضل عن المضيق، كما ستوفر مسارات بديلة لتصدير النفط عبر خطوط أنابيب برية بدلاً من ناقلات النفط البحرية.

وأشار مسؤول أمريكي إلى أن أحد التطورات غير الملحوظة في الأسابيع الأخيرة تمثل في استمرار هادئ لخطة مرافقة ناقلات النفط المعروفة باسم “مشروع الحرية”، والتي جرى تعليقها رسمياً في مايو/أيار بعد اعتراضات سعودية. وأضاف أن نسخة محدودة منها استمرت في السماح بتصدير سبعة ملايين برميل من النفط يومياً عبر الخليج.

ويأمل المفاوضون الأمريكيون أن تغتنم إيران فرصة الاستثمار في اقتصادها وتحديث البلاد بعد اتفاق السلام، لكنهم يدركون أن ذلك ينطوي على مخاطرة، وفقاً لمصدر مطلع على المحادثات. وقال المسؤول: “سيُظهر لنا الوقت ما إذا كانوا قادرين على إدارة شؤونهم السياسية وتحقيق ذلك بالفعل، وسنعرف ذلك خلال الشهرين المقبلين. نحن نسعى إلى الخيار الأكثر تحولاً على الإطلاق”.

وإذا كنت قد شاهدت العديد من المحاولات الفاشلة في الشرق الأوسط، كما شاهدتُ أنا أثناء تغطيتي للمنطقة، فلا بد أن تتساءل عما إذا كانت فكرة التحول الكبرى هذه ستنجح. لكن التحدي الأكبر يكمن في تحويل مسار إيران من دولة ثورية إلى دولة حديثة مسؤولة. وبالنظر إلى فشل خيار تغيير النظام، فأنا بصراحة لا أرى طريقاً أفضل مما يقترحه فريق ترامب.

وعندما طُلب من هذا المسؤول، الذي كان في قلب المحادثات الإيرانية، تلخيص أهم ما تعلمه كمفاوض، عبّر عن رأي من المرجح أن يشاركه كثير من المراقبين، بغض النظر عن موقفهم من ترامب أو من خطة السلام الخاصة به، قائلاً:

“أكبر درس تعلمته هو أنه من السهل جداً بدء حرب، ومن الصعب حقاً الخروج منها”.

يكتب ديفيد إغناتيوس عموداً عن الشؤون الخارجية في صحيفة واشنطن بوست.

ماذا تقرأ بعد ذلك

اقتصاد, النفط والطاقة

-

هل يغير اتفاق إيران خرائط النفط القديمة؟ 

إيران, الشرق الأوسط

-

هل يربح النظام الايراني الحرب ويخسر الشارع؟

آراء

-

من الحرب إلى الصفقة: كواليس المفاوضات التي غيّرت مسار إيران

العالم

-

قمة السبع: هل بدأت أوروبا فك الارتباط بأميركا؟

الأسواق

-

هل يغير دخول SpaceX وول ستريت.. سوق الأسهم؟

الشرق الأوسط

-

الاتفاق يهدئ المنطقة… لكنه لا يبدد شكوك الخليج!