يفتح متحف اللوفر في باريس مواجهة فنية نادرة بين مايكل أنجلو وأوغست رودان، في معرض جديد يحمل عنوان مايكل أنجلو ورودان: أجساد حية، ويضم أكثر من ٢٠٠ عمل بالتعاون مع متحف رودان.
المعرض، الممتد حتى ٢٠ يوليو، لا يقدّم مقارنة تقليدية بين فنانين عظيمين فقط، بل يبحث في سؤال أعمق: كيف يمكن للحجر والبرونز والجص أن تحمل جسداً يفكر ويتألم ويتنفس؟
بحسب تقرير نيويورك تايمز، يعكس عمل رودان الذي يحمل اسم “ذا هاند اوف غاد” المعنى الجوهري للمعرض، حيث تخرج يد مصقولة من كتلة رخامية خشنة، وفي كفها جسدان عاريان في لحظة خلق وحب، في إحالة مباشرة إلى قصة آدم وحواء، وإلى مايكل أنجلو الذي رآه رودان بمثابة إله فني.
التفصيل
- تقوم فكرة المعرض على المواجهة بين اثنين من أعظم النحاتين في الغرب، لا من أجل إثبات التشابه فقط، بل لفهم كيف تعامل كل منهما مع الجسد باعتباره مساحة للفكر والانفعال لا مجرد تشريح عضلي.
- يشرح المقيّم المشارك مارك بورمان أن الهدف عند مايكل أنجلو ورودان لم يكن عرض استقلالية الجسد فحسب، بل إظهار الجسد المفكر، الجسد الذي يحمل إحساساً وتوتراً وحياة داخلية.
- اشتهر مايكل أنجلو بفكرة النحت عبر الإزالة، أي أنه كان يرى الشكل كامناً داخل كتلة الرخام، ثم يزيل الزائد عنها حتى يحرر الجسد المختبئ في الحجر.
- في أعمال مثل العبد المتمرد والعبد المحتضر، يظهر أسلوبه غير المكتمل بوضوح: أجساد تتلوى كأنها تحاول الخروج من أسر الحجر، لا كأنها منحوتات توقفت قبل نهايتها.
- هذا الأسلوب غير المكتمل أصبح لاحقاً أحد أسرار جاذبية مايكل أنجلو. الخشونة وآثار المطرقة والإزميل لم تعد عيباً، بل صارت دليلاً على الصراع بين الجسد والمادة.
- بالنسبة لرودان، كان لقاء مايكل أنجلو نقطة تحوّل. بعد رحلته إلى إيطاليا عام ١٨٧٦، درس تماثيله ورسومه، وكتب لاحقاً أن تحرره من الأكاديمية جاء عبر مايكل أنجلو.
- لكن رودان لم يقلد أستاذه البعيد حرفياً. مايكل أنجلو كان ينحت من الرخام، بينما كان رودان يصنع الأثر نفسه عبر الطين والشمع، ثم يحوّل العمل إلى جص أو برونز.
- الفارق الجوهري أن عدم الاكتمال عند مايكل أنجلو كان غالباً نتيجة مشاريع تغيرت أو أعمال لم تُنجز، بينما جعله رودان خياراً جمالياً واعياً. هو أراد للعمل أن يبقى كأنه لا يزال في طور التشكل.
- لذلك تبدو منحوتات رودان، مثل عصر البرونز وآدم وتمثال بلزاك، كأنها لا تقدم جسداً ساكناً، بل كتلة حية خارجة من ضغط المادة والضوء والظل.
- يضم المعرض أيضاً نحو ٣٠ رسماً لمايكل أنجلو تكشف هوسه بتشريح الجسد، إضافة إلى نسخ من أعمال كبرى تعذر نقلها من إيطاليا، بينها نسخ من منحوتتي الفجر والغسق من فلورنسا.
- والجانب الأهم في المعرض أنه لا يضع الخشونة ضد الجمال، بل يجعل الخشونة نفسها طريقاً إلى الجمال. فالحجر غير المصقول لا يخفي الحياة، بل يتركها وهي تقاوم كي تظهر.
ماذا بعد؟
يعيد المعرض قراءة العلاقة ما بين الكمال والنقص في الفن. فالأعمال التي تبدو غير مكتملة قد تكون أحياناً أكثر قدرة على نقل الحياة من الأعمال المصقولة حتى نهايتها.
ولعل ما يجمع مايكل أنجلو ورودان ليس الزمن ولا التقنية، بل الإيمان بأن الجسد المنحوت لا يولد من سطح ناعم فقط، بل من صراع عنيف بين اليد والمادة، بين الشكل والحجر، وبين الفنان والروح التي يحاول تحريرها.