لم يتبادل قادة العالم رسائل المجاملات المعتادة في ميونيخ عن الصداقة والتضامن واستقرار الكوكب، جميعهم، تقريباً، قدّموا تشخيصاً قاسياً لزمن يتفكك أمام أعين سكان الأرض. فالمستشار الألماني فريدريش ميرتس قال صراحة: إن النظام العالمي الذي استقر لعقود من الزمن لم يعد قائماً، وإننا ندخل زمناً لسياسة القوى الكبرى، مع تذكير قاس بأن الحرية لم تعد أمراً مضموناً.
أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فتحدث عن نهاية البنى الأمنية الأوروبية القديمة وضرورة الاستعداد لسيناريوهات الحرب.
ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي وصف اللحظة بأنها دخول عصر جيوسياسي جديد، لأن العالم القديم انتهى.
وخلف هذه الخطب جاء تقرير مؤتمر ميونيخ للأمن 2026 بعنوان “تحت التدمير” ليقدّم الإطار النظري لهذه الفكرة: نظام ما بعد 1945 يتعرض للتقويض وليس للإصلاح.
لكن المشكلة في “الشرق الأوسط” ليست أن النظام القديم قد مات. المشكلة أنه لم يمت رسمياً بعد. ما نعيشه، هو في الحقيقة، وضعا مزدوجا: فالعالم القديم يحتضر من دون أن يكتب وصيته، والعالم الجديد الذي يبشرنا به قادته لم تتضح قواعده، ولا نعرف أي نوع من الردع سيضبط شهيته.
هذه هي المنطقة الرمادية التي تكبر فيها الأخطاء بسرعة، وتتحول فيها الفواتير الأمنية إلى فواتير اقتصادية، ثم إلى فواتير اجتماعية في داخل دولنا.
1) من نظام تنظمه القواعد إلى منطق سوق القوة!
تاريخياً، كانت فكرة النظام الدولي الحديثة تقوم على سردية كبيرة: قواعد، ومؤسسات، وقانون دولي، وشراكات عابرة للحدود، مع ادعاء أخلاقي يمشي جنباً الى جنب معها.
علمنا منظرو ما بعد الحداثة عادة الشك في السرديات الكبرى ليس لأنها كاذبة دائماً، وإنما لأنها تتبدّل عندما تتبدّل موازين القوى. وفي هذا التحول، لا تنهار القواعد دفعة واحدة، تصبح انتقائية: تُرفع تحت رايك القوانين حين تخدم الاقوياء، وتُطوى عن عمد حين تقيد ارادتهم.
وهذا هو الأمر الذي يجعلنا أمام ما يشبه سوقاً مفتوحة للنفوذ: فالعقوبات أداة ردع، والتكنولوجيا أداة عبور، والمال شرط الحضور في المسرح، والتحالفات اضحت كمنصات تداول متحركة!
هنا نستعيد تمييز حنّة أرندت بين القوة والعنف بما يناسب الصورة الأكبر لنظام يخص العالم: عندما تضعف شرعية النظام، يرتفع منسوب العنف كبديل سريع لإنتاج الطاعة.
وبمنطق كارل شميت، يعود تعريف السياسة كتمييز حاد بين الصديق والعدو، وتصبح الحدود بين الاقتصاد والأمن مجرد خرائط قديمة.
هذه ليست نظريات مجردة ومتعالية على الواقع. إنها الوصف العملي لعالم تُسلّح فيه كل الأشياء: التعرفة الجمركية تتحول إلى سلاح، والشريحة الإلكترونية تتحول إلى سلاح، ونظام الدفع يتحول إلى سلاح، والممر البحري يتحول إلى سلاح.
2) الشرق الأوسط: من هامش النظام إلى عقدته
الشرق الأوسط كما هو بقعة صراع مزمنة. ويمثل بدرجة ما عقدة النظام العالمي الجديد، لأنه يجمع أربع حقائق دفعة واحدة:
أولاً: مصادر الطاقة التي لم تختف. ربما تغيرت أشكالها، لكن أهميتها الاستراتيجية باقية كما هي منذ عقود، بل صارت أكثر حساسية مع تذبذب سلاسل الإمداد وتسييسها.
ثانياً: الممرات لا تزال شرايين العالم. المضائق، البحار، الموانئ، والخطوط اللوجستية تربط آسيا بأوروبا. في عصر صراع القوى الكبرى، الجغرافيا تسترد مكانتها التاريخية.
ثالثاً: مرور حزم “الداتا” أصبحت مصدر ثروة متوقعة . الكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي تصنع طبقة جديدة من السيادة. فمن يملك البنية يملك هامشاً جيداً من القرار.
رابعاً: الشرعية الداخلية في دول المنطقة أصبحت جزءاً من معادلة الردع. لم يعد ممكناً الفصل بين الاستقرار الاجتماعي وبين حضور الدولة خارجياً. فأي اهتزاز داخلي يتحول الى ورقة ضغط على طاولة العلاقات الخارجية.
لهذا، نحن لسنا خارج الخارطة. نحن نمثل مفصلاً داخل شبكتها المعقدة. لكن كونك مفصلاً لا يعني أنك صاحب القرار. فهذا قد يمثل نقطة ضغط أيضاً.
3) لحظة بينية: أشباح القديم وإغراءات الجديد
إن أخطر ما في المرحلة الحالية أنها لحظة بينية. لدى غرامشي فكرة قديمة عن زمن بين عالمين، تظهر فيه أعراض مرضية لأن الجديد لم يولد بعد والقديم لم يغادر.
الشرق الأوسط يعيش هذه الحالة بشكل واصح: داخلياً وخارجياً.
خارجياً، هناك تنافس على ترتيب المنطقة ضمن خرائط النفوذ: من يضمن أمن الطاقة؟ من يضبط الممرات؟ من يحتكر التكنولوجيا؟ من يفرض معايير التمويل؟ ومن يمنح المظلة الأمنية؟
وداخلنا، توجد فجوة بين خطاب الطموح وبين قدرة المؤسسات على تحويل الطموح إلى قوة مستدامة.
في زمن الاستعراضات، يذكّرنا بودريار بأن الصورة قد تسبق الواقع وتستبدله. هذه هي فخاخ مرحلة التحول: أن نصدّق واجهات القوة ونُهمل بنيتها.
4) أين نحن عملياً؟ ثلاث خرائط محتملة
الخارطة الجديدة لا تُكتب على طاولة رسم واحدة. أمام دول الشرق الأوسط ثلاثة أدوار ممكنة، وكل دور له اهميته:
الدور الأول: منطقة نفوذ بالوكالة
يعني أن المنطقة تُدار كمساحة تنافس بين القوى الكبرى، تُشترى فيها الولاءات، وتُدار فيها الأزمات كصمام لتعديل ميزان القوى. هذا الدور يستهلكنا: أمنياً، اقتصادياً، واجتماعياً.
الدور الثاني: منطقة توازن مرن
يعني أن المنطقة تتحول إلى لاعب يوزع علاقاته، يوازن بين القوى المتنافسة، ويمنع احتكار قوة عظمى واحدة. هذا دور أصعب بالطبع، لأنه يتطلب مؤسسات وخططاً طويلة المدى، لكنه، في نهاية الأمر، يمنح استقلالاً تدريجياً.
الدور الثالث: منطقة سيادة متعددة الطبقات.
وهذا هو الدور الصادم الذي يجب أن نجرؤ على قوله: أن نعامل الأمن والاقتصاد والمعرفة كبنية سيادة واحدة. ليس سيادة خطابية، وانما سيادة بنية علائقية: أمن بحري زائداً أمن غذائي زائدا أمن مالي، وسيادة في التعامل مع البيانات، وقدرة تصنيع تكنولوجي ولو في مجالات محددة.
5) الرأي الصادم: نحن نبالغ في قراءة العالم ونقلّل من شأن أنفسنا.
الخطب في ميونيخ مهمة، لكنها ليست بالضروة قدرنا. الصدمة الحقيقية أن معظم نقاشاتنا في المنطقة لا تزال تبحث عن راعٍ، لا عن عقد جديد.
نريد ضمانات جاهزة بدل بناء قدرات ذاتية وهذا يشمل معظم هذه الدول باستثناءات نادرة .
ما زلنا نطلب مظلات حماية بدل بناء السقف الذاتي، نفاوض على النتائج بدل أن نفاوض على القواعد.
في عالم يتفكك، من لا يملك قواعده الداخلية يصبح مادة خاماً لقواعد الآخرين.
ومن لا يملك اقتصاد معرفة يصبح زبوناً دائماً في سوق السلاح والتكنولوجيا.
ومن لا يملك قصة دولة مقنعة لمواطنيه، سيُستدرج إلى شراء الشرعية من الخارج، وهي أغلى سلعة على الإطلاق.
نتذكر هنا قصيدة ييتس عن تفتت الأشياء وانفلات المركز كاستعارة لوصف سلوك النظام الدولي عندما يفقد نقطة ارتكازه.