تبدو فكرة نقل الضغط من الخليج إلى مضيق ملقا التي تطرحها بعض الدوريات، تبدو جذابة عسكرياً على الورق: فبدل عن مطاردة كل ناقلة إيرانية قرب هرمز، تضرب واشنطن العقدة التي تمر عبرها الإمدادات المتجهة إلى الصين. لكن هذا يمثل خطوة تمس مباشرة أمن الطاقة الآسيوي، وتضع أميركا في تماس مع أعمق نقطة ضعف صينية معروفة منذ سنوات باسم “معضلة ملقا”.
تفصيل
يمر عبر ممر ملقا ما يقارب ثلث تجارة النفط البحرية في العالم، فيما استحوذت الصين وحدها على 48% من واردات الخام والمكثفات المارة عبره في النصف الأول من 2025. هذا يعني أن أي تعطيل واسع هناك لن يستهدف الضغط على إيران وحدها، وإنما يتعدى إلى الطلب الصيني نفسه.
يقول “تقرير إدارة معلومات الطاقة الأميركية” إن الصين أخذت نحو 90% من صادرات إيران النفطية في 2023، فيما قدّر تقرير آخر شحنات الخام والمكثفات الإيرانية إلى الصين بأكثر من 1.2 مليون برميل يومياً. هذه هي السوق التي يبقى عبرها النفط الإيراني قابلاً للتحول إلى دخل فعلي رغم العقوبات.
لكن المشكلة أن ملقا ليس ممراً إيرانياً.
هو ممر للنفط السعودي والعراقي والإماراتي والروسي أيضاً، ويغذي الصين واليابان وكوريا الجنوبية وسواها. لذلك فإن إغلاقه أو اعتراض الملاحة فيه سيمثل صدمة كبيرة في مجال الطاقة، ولا يتوقف عن وصفه كعقوبة على طهران. حتى المسارات البديلة مثل لومبوك وسوندا تبقى أطول وأكثر كلفة وأقل كفاءة.
التحليلات البحرية الأميركية القديمة حول حصار الصين تشير إلى أن خنق ملقا يتطلب وجوداً دائماً واعتراضاً واسعاً ومراقبة للمسارات البديلة، أي أنه أقرب إلى عملية استراتيجية كبرى منه إلى إجراء تكتيكي محدود. ومع كل محاولة لتوسيع الحصار، ترتفع احتمالات انتقال الأزمة من ملف إيران إلى ملف الصين مباشرة.
الصين بدورها لن تبدأ، على الأرجح، برد عسكري مباشر. ردها الأول سيكون اقتصادياً وعملياتياً:
•السحب من المخزونات،
•زيادة الشراء من روسيا والخليج والبرازيل،
•وإعادة ترتيب مسارات التوريد.
تظهر بيانات EIA أن واردات الصين الإجمالية بلغت 11.1 مليون برميل يومياً في 2024، ما يمنحها هامشاً لإعادة الخلط بين المصادر حتى لو خسرت جزءاً من البراميل الإيرانية.
لكن هل تنظر بكين إلى الأمر كخسارة تجارية فقط؟!
إذا تحول ملقا إلى أداة ضغط أميركية، فذلك يثبت عملياً أن أعصاب الاقتصاد الصيني ما زالت قابلة للضغط البحري. وهنا تصبح المسألة أكبر من إيران: اختبار مباشر لقدرة الصين على حماية شرايينها، وتسريع أكبر لسياسات التخزين والتنويع وخطوط الإمداد البديلة.
ما الذي تكسبه أميركا؟
تكسب واشنطن ورقة ضغط شديدة القسوة على إيران.
فحرمان طهران من السوق الصينية يضغط على الإيرادات والعملة والقدرة على تمويل الدولة والأذرع معاً. لكن هذه الورقة كلما زادت فاعليتها ضد إيران، زادت كلفتها الجيوسياسية ضد الصين وآسيا والعالم. لهذا السبب، يبدو السيناريو الأكثر واقعية ليس إغلاق ملقا حرفياً، بل تضييقاً انتقائياً على الناقلات وشبكات الشحن والتأمين والوسطاء المرتبطين بالنفط الإيراني. هذا يؤلم طهران من دون فتح جبهة بحرية كاملة مع بكين.