صفاء صبحي
لم تعد لندن الخيار الوحيد أمام العائلات الثرية الكبرى لإدارة ثرواتها واستثماراتها العالمية. ففي السنوات الأخيرة، بدأت بعض المكاتب العائلية تعيد النظر في مواقعها التقليدية، مدفوعة بتغيرات ضريبية وتنظيمية، وبحثًا عن بيئات مالية وقانونية أكثر ملاءمة لإدارة الثروات العابرة للحدود.
ويأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه أهمية المكاتب العائلية، التي لم تعد تقتصر مهمتها على إدارة المحافظ الاستثمارية، بل أصبحت تضطلع بمجموعة واسعة من المسؤوليات، من التخطيط لانتقال الثروة بين الأجيال وتمويل الصفقات، إلى إدارة المخاطر والاستثمارات الخاصة والتخارج من الأصول وتسوية المنازعات.
لندن تفقد بريقها
كان النظام البريطاني لعقود عامل جذب رئيسيًا للأثرياء الدوليين، خصوصًا مع نظام الإقامة الضريبية المعروف باسم “non-dom”، الذي منح بعض المقيمين الأجانب معاملة ضريبية تفضيلية على دخولهم وأصولهم الموجودة خارج بريطانيا.
لكن هذا النظام انتهى في أبريل 2025، مع انتقال بريطانيا إلى نظام جديد يعتمد بصورة أكبر على الإقامة ومدة البقاء في البلاد. وبموجب القواعد الجديدة، أصبح نطاق الخضوع للضرائب على الدخل والأرباح الأجنبية أوسع بالنسبة إلى بعض المقيمين.
كما توسع نطاق ضريبة التركات ليشمل، في حالات معينة، الأصول الموجودة خارج بريطانيا للأشخاص الذين يستوفون شروط الإقامة طويلة الأمد، بما في ذلك الإقامة في المملكة المتحدة لمدة لا تقل عن 10 سنوات من آخر 20 سنة.
وبالنسبة إلى أصحاب الثروات الكبيرة، لا تتعلق هذه التغييرات بضريبة سنوية فحسب، بل يمكن أن تدخل في صميم طريقة بناء الثروة وحمايتها ونقلها إلى الجيل التالي. ولهذا السبب، أصبحت القرارات المتعلقة بمكان وجود المكتب العائلي، وهيكل الشركات والصناديق الاستثمارية والوقفية، أكثر ارتباطًا بالاعتبارات الضريبية والقانونية.
ومع ذلك، لا يمكن افتراض أن كل قرار بنقل مكتب عائلي من لندن سببه الضرائب وحدها. فالمكاتب العائلية بطبيعتها شديدة الخصوصية، وغالبًا ما لا تعلن تفاصيل هياكلها الاستثمارية أو أسباب إعادة توزيع موظفيها وعملياتها بين المراكز المالية المختلفة.
لماذا دبي؟
إذا كانت التغييرات الضريبية البريطانية تمثل عامل دفع محتملًا، فإنها لا تفسر وحدها سبب توجه بعض العائلات نحو دبي. فالقرار يتصل أيضًا بما توفره الإمارة من منظومة مالية وقانونية متكاملة، إلى جانب موقعها الجغرافي الذي يضعها في قلب حركة رأس المال بين الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا.
ويبرز هنا مركز دبي المالي العالمي، الذي يوفر إطاراً قانونياً وتنظيمياً قائمًا على مبادئ القانون العام الإنجليزي، وهو ما يمنح المؤسسات الاستثمارية والمكاتب العائلية التي اعتادت العمل ضمن البيئة القانونية البريطانية قدراً أكبر من الألفة والاستمرارية.
ويضم المركز منظومة مؤسسية تشمل جهة تنظيمية مستقلة ومحاكم متخصصة، إلى جانب شبكة واسعة من البنوك ومديري الأصول وشركات الاستثمار والخدمات القانونية والاستشارية. وهذه البنية مهمة للعائلات التي تتعامل مع استثمارات وأسواق متعددة ولا تريد أن تكون إدارة الثروة مجرد وظيفة مصرفية تقليدية.
كما أن قرب دبي من الأسواق الخليجية يمثل عاملاً إضافياً للعائلات التي ترتبط أعمالها الرئيسية بالمنطقة. فوجود المكتب الاستثماري في مركز مالي عالمي داخل الخليج يمكن أن يسمح بفصل إدارة الثروة عن النشاط التشغيلي، مع إبقاء صناع القرار على مسافة قريبة من الأسواق والشركات التي تمثل جزءاً مهماً من ثرواتهم.
موجة تتجاوز عائلة واحدة
وتشير البيانات إلى أن هذا التحول ليس حالة منفردة، إذ شهد مركز دبي المالي العالمي نمواً واضحاً في عدد الكيانات المرتبطة بالأعمال العائلية. فقد ارتفع العدد من نحو 600 كيان إلى 1,035 كيانًا خلال النصف الأول من عام 2025، بزيادة بلغت نحو 73 في المئة.
ويعكس هذا النمو تغيراً أوسع في خريطة إدارة الثروات العالمية، حيث أصبحت دبي تنافس المراكز التقليدية في أوروبا وآسيا على استقطاب المكاتب العائلية التي تبحث عن مكان يجمع بين سهولة الوصول إلى الأسواق، والبنية القانونية، والخدمات المالية المتخصصة.
لكن المنافسة بين المراكز المالية لا تحسمها الضرائب وحدها. فالعائلة التي تدير ثروة كبيرة لا تبحث فقط عن معدل ضريبي منخفض، وإنما عن منظومة تستطيع أن توفر لها الاستقرار القانوني، والسرية ضمن الحدود القانونية، وإدارة الأصول، والتخطيط للخلافة، والتمويل، والحماية من المخاطر، والوصول إلى الخبرات الاستثمارية.
رأس المال يبحث عن الاستقرار
تكشف التحولات الجارية بين لندن ودبي عن تغير أعمق في طريقة تفكير العائلات التجارية الكبرى. فالثروة العابرة للحدود أصبحت أكثر تعقيداً، ومعها أصبح اختيار موقع المكتب العائلي قراراً استراتيجياً لا يقل أهمية عن اختيار الاستثمار نفسه.
قد تدفع الضرائب بعض أصحاب الثروات إلى إعادة النظر في مواقعهم، لكن الضرائب وحدها لا تكفي لجذب رأس المال أو الاحتفاظ به. فالأموال الكبيرة تبحث في النهاية عن قواعد واضحة، ومؤسسات مستقرة، ومحاكم فعالة، وخدمات مالية متطورة، وبيئة تسمح بتخطيط طويل الأجل.
ولهذا، فإن صعود دبي كمركز للمكاتب العائلية لا يمكن قراءته فقط باعتباره نتيجة لتراجع جاذبية لندن، بل باعتباره جزءاً من إعادة توزيع أوسع لمراكز إدارة الثروة العالمية. وفي هذه المنافسة، قد تكون الحوافز الضريبية عامل جذب أولي، لكن وضوح التشريعات وكفاءة المؤسسات وقدرتها على خدمة الثروة عبر الأجيال هي ما يحدد في النهاية أين تستقر هذه الأموال.