EN

تحدي إسرائيل الاستراتيجي المقبل قد يكون أكبر من إيران

كارولين هايات

على مدى سنوات، كانت إيران المرجع الأساسي في التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي. فقد شكّل البرنامج النووي لطهران، وصواريخها الباليستية، وشبكة حلفائها ووكلائها، العقيدة العسكرية الإسرائيلية لعقود.

لكن الحرب الجارية مع إيران تكشف واقعاً أوسع: قد تكون إسرائيل مقبلة على حقبة لم يعد فيها التحدي الاستراتيجي الرئيسي متمثلاً في عدو واحد، بل في ساحة إقليمية مترابطة ومتعددة الجبهات.

وقد أظهر الصراع بالفعل مدى السرعة التي يمكن أن تنتشر بها حرب تشارك فيها إيران عبر الشرق الأوسط.

فتح حلفاء إيران وشركاؤها جبهات إضافية، من اليمن إلى العراق، بينما جعلت الهجمات على البنية التحتية السعودية والضغوط المتزايدة حول مضيق هرمز وباب المندب أمن الطاقة والممرات البحرية جزءاً من ساحة المعركة. كما أظهرت التطورات الأخيرة للحوثيين في اليمن والهجمات على منشآت النفط السعودية كيف يمكن لطائرات مسيّرة وصواريخ منخفضة التكلفة نسبياً أن تخلّف تداعيات تتجاوز أهدافها المباشرة بكثير.

بالنسبة إلى إسرائيل، يغيّر ذلك المعادلة الاستراتيجية.

لا تزال إيران تمثل تهديداً رئيسياً، لكن إضعاف طهران لا يعني بالضرورة منطقة أكثر استقراراً. بل قد يقود إلى بيئة أمنية أكثر تشظياً، تتنافس فيها تركيا ودول الخليج والميليشيات والطائرات المسيّرة والأنظمة الذاتية على النفوذ.

وقد تصبح تركيا أحد أهم المتغيرات الاستراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل.

تسعى أنقرة إلى لعب دور مركزي في سوريا ما بعد الأسد، بينما وسّعت إسرائيل وجودها العسكري في جنوب سوريا لمنع قوات معادية ومنظومات أسلحة من الاقتراب من حدودها. وحتى الآن، تجنب البلدان مواجهة مباشرة، لكن مصالحهما تتقاطع بصورة متزايدة.

تريد تركيا دولة سورية أقوى تقع تحت نفوذها. أما إسرائيل فتريد منع هذه الدولة من تطوير قدرات عسكرية قد تهدد هضبة الجولان.

وبدأ هذا التوتر يظهر بصورة أوضح. فقد اتهم وزير الخارجية التركي إسرائيل مؤخراً بإضعاف سوريا والإفادة بشكل غير مباشر تنظيم داعش، ما يسلط الضوء على اتساع الفجوة بين أنقرة والقدس بشأن مستقبل سوريا.

لكن التحول الأكبر يظل تكنولوجياً.

أظهرت الحرب مع إيران أهمية الدفاع الصاروخي والطائرات المسيّرة والاستخبارات وسرعة اتخاذ القرار. وفي الوقت نفسه، تستعد إسرائيل لساحة معركة قد تعمل فيها الأنظمة الذاتية بأعداد أكبر بكثير.

أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الفريق إيال زامير، إنشاء فرع جديد مخصص للأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي، ومن المتوقع أن يبدأ عمله بحلول ديسمبر. وسيعمل الفرع على تطوير أنظمة روبوتية جوية وبرية وبحرية قادرة على العمل إلى جانب القوات البشرية أو بصورة مستقلة.

وبعد أيام، كشفت شركة الصناعات الدفاعية الإسرائيلية «إلبيت سيستمز» عن منظومة FUSE، وهي مجموعة جديدة من الأنظمة الذاتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمصممة لتنسيق أعداد كبيرة من المنصات الجوية والبرية في الوقت الفعلي.

وتقول الشركة إن تقنياتها راكمت أكثر من مليون ساعة طيران عملياتية، وأكثر من 100 ألف ساعة من العمليات البرية الذاتية.

ولا يتعلق الأمر بمجرد برنامج جديد للتكنولوجيا العسكرية.

بل يعكس تحولاً في الطريقة التي تعرّف بها إسرائيل التفوق العسكري.

قد تشمل صراعات المستقبل مئات الطائرات المسيّرة والمنصات الذاتية التي تعمل في وقت واحد، إلى جانب الحرب الإلكترونية، وبيئات محرومة من نظام تحديد المواقع العالمي GPS، وهجمات سيبرانية، وشبكات تحت الأرض، وجبهات متعددة تمتد من سوريا ولبنان إلى البحر الأحمر والخليج.

ومن ثم، فإن خلاصة الحرب مع إيران ليست بالضرورة أن إيران اختفت بوصفها التهديد الرئيسي لإسرائيل.

بل إن إيران ليست سوى مكوّن واحد داخل منظومة أمنية إقليمية أكبر بكثير.

وقد تضطر إسرائيل بصورة متزايدة إلى ردع إيران، بالتوازي مع مراقبة تركيا، ومواجهة شبكات الوكلاء، وحماية الطرق البحرية، والتصدي لأسراب الطائرات المسيّرة، ودمج الذكاء الاصطناعي في مختلف مستويات صنع القرار العسكري.

ولم يعد السؤال الاستراتيجي يقتصر على ما إذا كانت إسرائيل قادرة على هزيمة أقوى خصومها.

بل أصبح يتعلق بقدرتها على البقاء أسرع وأكثر قدرة على التكيف وأكثر تفوقاً تكنولوجياً من شبكة متنامية من الدول والجهات غير الحكومية التي تعمل عبر جبهات متعددة في الوقت نفسه.

قد لا تكون لساحة القتال المقبلة في الشرق الأوسط نقطة ثقل واحدة. وقد يكون التحدي الاستراتيجي المقبل لإسرائيل هو المنطقة نفسها.