د. عبد الرحمن الظاهري
لم تكن قمة «بريكس» في نيودلهي مجرد مناسبة اقتصادية لإيران، بل اختباراً سياسياً لمدى قدرتها على تحويل عضويتها في المجموعة إلى نفوذ فعلي يخفف من عزلتها. والنتيجة الأهم أن بريكس تستطيع أن توفر لطهران مساحة دبلوماسية واقتصادية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل العلاقات الثنائية أو أن توفر مظلة سياسية وأمنية تتبنى خياراتها.
وفي هذا السياق، يكتسب لقاء ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أهمية سياسية. اللقاء لا يعني انتهاء الخلافات بين البلدين، ولا يمثل تحولاً في الموقف الإماراتي تجاه إيران، لكنه يؤكد استمرار قناة الاتصال المباشر على أعلى المستويات في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.
البيانات الرسمية تحدثت عن قضايا إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك، ودعم جهود التهدئة وخفض التصعيد والاستقرار وتعزيز فرص السلام والتنمية. ولا يثبت ذلك وجود اتفاق جديد أو تفاهمات محددة. لكن استمرار الحوار بحد ذاته يعكس خياراً إماراتياً واضحاً: إدارة العلاقة مع إيران بالحوار المباشر، مع الحفاظ على المصالح والثوابت.
وهنا تبدأ معادلة «إيران ما بعد بريكس».
طهران تستطيع استخدام عضويتها لتوسيع علاقاتها مع الصين وروسيا والهند ودول أخرى، لكنها لا تستطيع افتراض أن هذه الدول ستتحول إلى كتلة واحدة خلفها. لكل دولة حساباتها الاقتصادية والأمنية وعلاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج. ولذلك فإن الرهان على بريكس باعتبارها جبهة مقابلة للغرب سيظل محدوداً ما لم يتحول إلى تجارة واستثمارات وتمويل وآليات دفع وشراكات طويلة الأمد.
المشكلة الأعمق بالنسبة إلى إيران أن الانفتاح على القوى غير الغربية لا يلغي أهمية الجغرافيا. إيران ستبقى دولة خليجية مجاورة لدول ترتبط بها مصالح اقتصادية وأمنية مباشرة. وبالتالي فإن تحسين العلاقة مع دول الخليج قد يكون لطهران أكثر أهمية من الاكتفاء بتوسيع عضويتها في الأطر الدولية.
وهنا تبرز الإمارات بشكل خاص.
الإمارات عضو كامل في بريكس منذ يناير 2024، وفي الوقت نفسه ترتبط بشراكات استراتيجية واسعة مع الولايات المتحدة والهند والصين وأوروبا. وهذا يمنح أبوظبي مساحة حركة مختلفة: علاقات متعددة الاتجاهات من دون التزام بمحور واحد.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي تفسير الحوار الإماراتي الإيراني باعتباره تقارباً سياسياً شاملاً. فالحوار ليس بديلاً عن حماية أمن الخليج والملاحة والطاقة، ولا عن الشراكات الدولية. لكنه أداة لإدارة المخاطر، ونقل الرسائل مباشرة، وتقليل فرص سوء التقدير عندما تكون المنطقة معرضة للتصعيد.
وهنا تكمن أهمية لقاء الشيخ خالد بن محمد بن زايد وبزشكيان. فالرسالة ليست أن الخلافات اختفت، وإنما أن الخلافات يمكن إدارتها عبر اتصال سياسي مباشر. الإمارات لا تبحث عن علاقة مثالية مع إيران؛ تبحث عن علاقة مستقرة يمكن ضبطها عندما تتعارض المصالح.
أما إيران، فستواجه خياراً عملياً بعد بريكس: هل تستخدم الانفتاح الدولي لتوسيع قدرتها على التفاوض، أم تحوله إلى منصة جديدة للخطاب السياسي من دون مكاسب ملموسة؟ عضوية بريكس قد تساعدها على تخفيف بعض آثار العزلة، لكنها لن تعفيها من معالجة الملفات التي تجعل علاقاتها مع محيطها الإقليمي صعبة.
الحكم السياسي هنا واضح: بريكس تمنح إيران مساحة دولية، لكن وزنها سيُقاس بقدرتها على تحويل هذه المساحة إلى مصالح عملية، خصوصاً في علاقتها مع محيطها الخليجي. أما الإمارات، فتتعامل مع طهران بمنطق إدارة الخلاف وحماية المصالح، من دون أن يكون الحوار على حساب ثوابتها الأمنية أو شراكاتها الدولية.