صفاء صبحي
على مدى العقد الماضي، تعاملت السعودية مع الملف اليمني باعتباره واحدًا من أهم ملفات أمنها القومي، لكنها، رغم حجم الموارد السياسية والعسكرية التي وظفتها فيه، لم تتمكن من الوصول إلى نتيجة مستقرة تنهي التهديد القادم من اليمن أو تضع حدًا للحرب. وبعد عشر سنوات من التدخلات والتحالفات والمبادرات، تبدو الرياض أمام حقيقة يصعب تجاهلها: المشكلة لم تعد فقط في قوة الحوثيين، بل في فشل المقاربة السعودية نفسها في إدارة الملف اليمني.
في مارس/آذار 2025، شنت الولايات المتحدة حملة عسكرية واسعة ضد الحوثيين استمرت نحو سبعة أسابيع. وكانت تلك الحملة، من وجهة نظر خصوم الحوثيين، فرصة نادرة لإعادة ترتيب موازين القوى على الأرض، وخصوصًا عبر استثمار الضغط الجوي الأميركي في تنفيذ هجوم بري واسع بواسطة القوات اليمنية المناوئة للحوثيين. لكن السعودية وحلفاءها اليمنيين لم يقدموا على هذه الخطوة.
يمكن تفسير هذا التردد بجملة من الحسابات السياسية التي كانت تحكم الموقف السعودي في ذلك الوقت. فقد كانت الرياض تتحرك في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، وتحاول في الوقت نفسه الحفاظ على مسافة سياسية من الحرب الإسرائيلية على إيران ومحورها، والاستعداد للاستحقاقات الدبلوماسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية والاعتراف بالدولة الفلسطينية. وكان الانخراط المباشر في حرب جديدة في اليمن يمكن أن يضع السعودية، ولو بصورة غير معلنة، في مواجهة مباشرة مع أحد أبرز أذرع إيران، وفي تقاطع سياسي وعسكري مع إسرائيل.
غير أن هذه الحسابات قد تكون كشفت مرة أخرى عن مشكلة أعمق في السياسة السعودية: التردد بين الرغبة في إنهاء الخطر اليمني والخوف من كلفة إنهائه.
اليوم، تبدو الرياض في موقف أكثر صعوبة. فمع عودة التصعيد الإقليمي واتساع المواجهة حول إيران ومضيق هرمز، لا تبدو واشنطن راغبة في فتح جبهة يمنية جديدة تستنزف جهودها العسكرية والسياسية. ومن هذا المنظور، يمكن فهم رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانخراط السعودي المباشر في جبهة اليمن باعتباره محاولة لتجنب ما قد يتحول إلى استنزاف جانبي يخدم طهران أكثر مما يخدم واشنطن وحلفاءها.
فإيران، التي نجحت خلال سنوات طويلة في تحويل الحوثيين إلى ورقة ضغط إقليمية تتجاوز حدود اليمن، لا تحتاج بالضرورة إلى الانتصار عسكريًا في اليمن كي تحقق أهدافها. يكفيها أن يبقى الملف مفتوحًا، وأن تظل السعودية مضطرة إلى إنفاق المال والوقت والجهد السياسي والعسكري في إدارة تهديد لا ينتهي.
وهنا تصل الرياض إلى المفارقة الكبرى: إذا كان الحوثيون يمثلون مشكلة صنعتها سنوات من التدخلات والحسابات الإقليمية، فإن السعودية مطالبة في نهاية المطاف بحلها بنفسها، لا انتظار قوة خارجية كي تقوم بالمهمة نيابة عنها.
لكن هذه ليست المرة الأولى التي تجد فيها السعودية نفسها أمام نتائج مغايرة لأهدافها في اليمن. فمنذ عقود، لم تنجح السياسة السعودية في فرض تصورها النهائي على هذا البلد. فقد تدخلت الرياض في ستينيات القرن الماضي في الصراع اليمني دعمًا للملكيين في مواجهة الجمهوريين، لكن الجمهورية انتصرت في نهاية المطاف. وبعد ذلك، عارضت السعودية قيام الوحدة اليمنية، إلا أن الوحدة تحققت عام 1990، ثم بقيت الدولة اليمنية موحدة بعد حرب 1994، رغم كل التحولات والصراعات التي شهدتها البلاد.
ومع انهيار الدولة اليمنية وصعود الحوثيين، جاءت عاصفة الحزم عام 2015 باعتبارها محاولة حاسمة لإعادة رسم المعادلة. كان الهدف المعلن منع الحوثيين من السيطرة على اليمن وإعادة الحكومة المعترف بها دوليًا إلى صنعاء. لكن الحرب التي كان يفترض أن تكون قصيرة تحولت إلى صراع طويل، وانتهت السعودية بعد سنوات إلى التفاوض مع الطرف الذي دخلت الحرب أساسًا لإضعافه.
والأهم أن الحوثيين لم يخرجوا من الحرب مجرد جماعة مسلحة محاصرة، بل تحولوا إلى قوة عسكرية وسياسية تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة، وتسيطر على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال اليمن، وتستطيع تهديد الملاحة الدولية وفرض نفسها لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاوزه.
أما في الجنوب، فلم تكن التجربة أكثر نجاحًا. فبعد الخلاف مع الإمارات وإعادة ترتيب التحالفات المحلية، حاولت الرياض دعم صيغة سياسية وأمنية جديدة تضمن لها نفوذًا أكبر في جنوب اليمن، إلا أن النتيجة بقيت هشة. تعددت مراكز القوى، واستمرت التوترات بين الحكومة والقوى الجنوبية، وبقيت القضية الجنوبية نفسها دون حل نهائي، بينما ظل احتمال الانفجار قائمًا في أي لحظة.
المشكلة إذن ليست في غياب القوة السعودية، بل في تحويل القوة إلى استراتيجية قابلة للاستمرار. فقد أثبتت السنوات الماضية أن التدخل العسكري يستطيع تغيير موازين القوى مؤقتًا، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج دولة يمنية مستقرة، كما أن بناء تحالفات محلية متناقضة المصالح لا يؤدي بالضرورة إلى شريك يمني قادر على حمل المشروع السعودي.
لقد تعاملت الرياض، في مراحل مختلفة، مع اليمن باعتباره ساحة أمنية يجب ضبطها أكثر من كونه دولة تحتاج إلى تسوية سياسية قابلة للحياة. وهذه المقاربة جعلت السعودية تنتقل من محاولة منع سيناريو إلى آخر، بدل أن تمتلك تصورًا واضحًا لما تريد أن يكون عليه اليمن بعد انتهاء الصراع.
بعد عقد من الحرب، لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو: كيف يمكن للسعودية أن تنتصر في اليمن؟ بل: كيف يمكنها أن تخرج من اليمن من دون أن تترك وراءها تهديدًا أكبر مما حاولت منعه؟
هذه هي المعضلة الحقيقية. فاستمرار الحرب ليس انتصارات، واحتواء الحوثيين من دون حل سياسي ليس نهاية للأزمة، كما أن الاعتماد على الولايات المتحدة أو أي قوة خارجية لإزالة الخطر اليمني لن يكون استراتيجية دائمة.
لقد أصبحت اليمن بالنسبة إلى السعودية شوكة طويلة الأمد، وكلما حاولت الرياض انتزاعها بالقوة عادت لتجد نفسها أمام شوكة أخرى. وربما حان الوقت لتدرك أن إزالة هذه الأشواك لن تتم عبر جولة عسكرية جديدة، بل عبر مراجعة شاملة لسياسة العقد الماضي، والاعتراف بأن استقرار اليمن لا يمكن أن يُبنى من الخارج، وأن أمن السعودية نفسه يرتبط في النهاية بوجود دولة يمنية مستقرة وقادرة على احتكار قرارها وسيادتها.