د. عبد الرحمن الظاهري
العلاقة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وألمانيا لم تعد مجرد علاقة تجارية بين أكبر اقتصاد أوروبي وإحدى أكثر اقتصادات الخليج العربي انفتاحاً. بعد أكثر من خمسة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية، وأكثر من عقدين على إطلاق الشراكة الاستراتيجية، تبدو العلاقة اليوم أمام مرحلة مختلفة؛ عنوانها الانتقال من تبادل السلع والتكنولوجيا إلى بناء مصالح استراتيجية مشتركة في الصناعة والطاقة والاستثمار والذكاء الاصطناعي.
هذا التحول مهم لأن احتياجات الطرفين تغيرت. ألمانيا التي بنت جانباً كبيراً من قوتها على الصناعة والتصدير تواجه تحديات تتعلق بأسعار الطاقة، والمنافسة الصينية، والتحول الأخضر، والحاجة إلى استثمارات جديدة تحافظ على تنافسية صناعاتها. وفي المقابل، تسعى الإمارات إلى مرحلة اقتصادية تتجاوز تصدير الطاقة واستيراد التكنولوجيا، نحو امتلاك حصص أكبر في سلاسل القيمة العالمية وبناء قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة.
هنا تحديداً تظهر قيمة العلاقة.
ألمانيا تمتلك ما تحتاج إليه الإمارات في عدد من القطاعات: المعرفة الهندسية، والصناعة المتقدمة، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، وشبكة واسعة من الشركات الصناعية المتخصصة. والإمارات تمتلك في المقابل عناصر أصبحت أكثر أهمية بالنسبة إلى الاقتصاد الألماني: رأس المال، والطاقة، والقدرة على الاستثمار طويل الأجل، إضافة إلى موقع جغرافي يربط أوروبا بالهند وآسيا وأفريقيا.
وجود نحو ألفي شركة ألمانية في الإمارات يعكس بالفعل عمق هذه العلاقة، لكنه يكشف أيضاً فرصة أكبر. فالسؤال في المرحلة المقبلة ليس كم شركة ألمانية تبيع منتجاتها في السوق الإماراتية، وإنما كم شركة تستطيع أن تنتج وتطور التكنولوجيا من داخل الإمارات، وكم مشروعاً إماراتياً ألمانياً يمكن أن يتحول إلى منصة تخدم أسواقاً خارج البلدين.
الطاقة تقدم نموذجاً واضحاً لهذا التحول. ألمانيا تحتاج بعد التحولات التي شهدتها سوق الطاقة الأوروبية إلى تنويع مصادرها، بينما تمتلك الإمارات قدرة على الجمع بين دورها التقليدي كمصدر للطاقة واستثماراتها المتنامية في الطاقة المتجددة والهيدروجين وخفض الانبعاثات. ولهذا فإن الشراكة الإماراتية الألمانية في الطاقة والمناخ ليست ملفاً بيئياً فقط، بل جزء من معادلة أوسع تتعلق بأمن الطاقة ومستقبل الصناعة الأوروبية.
لكن المجال الأكثر أهمية مستقبلاً قد يكون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. الإمارات تبني قدراتها بسرعة في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والاستثمارات التكنولوجية، بينما تمتلك ألمانيا قاعدة صناعية ضخمة يمكن أن تستفيد من إدخال الذكاء الاصطناعي إلى التصنيع والهندسة والنقل والطاقة. الجمع بين رأس المال الإماراتي والخبرة الصناعية الألمانية والذكاء الاصطناعي يمكن أن ينتج شراكات تتجاوز النموذج التقليدي القائم على المستثمر والمورد.
وهناك أيضاً بعد سياسي لا ينبغي تجاهله. أوروبا تعيد تقييم علاقاتها مع الخليج العربي في ظل الحروب والأزمات الجيوسياسية واضطراب التجارة والطاقة. والإمارات بالنسبة إلى ألمانيا ليست سوقاً فقط، بل دولة تمتلك شبكة علاقات سياسية واقتصادية واسعة تمتد من واشنطن إلى بكين ومن الهند إلى أفريقيا، وهو ما يمنح العلاقة معها قيمة تتجاوز الحسابات الثنائية.
وفي المقابل، تحتاج الإمارات إلى علاقات أوروبية متنوعة لا تقتصر على العواصم التقليدية، وألمانيا بما تمثله من ثقل اقتصادي وصناعي وسياسي داخل أوروبا تشكل ركناً مهماً في هذا التوازن.
الفرصة الحقيقية، إذاً، ليست في زيادة حجم التجارة وحده، بل في تغيير طبيعتها. المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على الاستثمار المتبادل، والتصنيع المشترك، ونقل وتطوير التكنولوجيا، والطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والدخول المشترك إلى أسواق ثالثة.
بعد أكثر من خمسين عاماً من العلاقات، تمتلك الإمارات وألمانيا ما يكفي من الثقة والمصالح للانتقال إلى هذه المرحلة. والنجاح لن يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بعدد المصانع والتقنيات والاستثمارات والمشاريع الاستراتيجية التي ينتجها البلدان معاً.