أحمد كاوه
في اليمن، تبدو السعودية اليوم أمام نتيجة يصعب فصلها عن الخيارات التي راكمتها خلال السنوات الأخيرة. فبعد أكثر من عقد على تدخل التحالف العربي في 2015، عادت جماعة الحوثي إلى التقدم عسكرياً، وسيطرت وفق رويترز على المخا واتجهت نحو جزر حنيش وباب المندب، بينما أعادت القوات الحكومية المدعومة من الرياض تموضعها جنوباً. التطور لا يعني فقط خسارة جغرافية، بل يطرح سؤالاً أوسع حول ما بقي من الاستراتيجية السعودية في اليمن بعد سنوات من التسويات وإعادة تشكيل التحالفات.
المشكلة بالنسبة إلى الرياض ليست أنها لم تبحث عن مخارج. على العكس، جربت الحرب، ثم التهدئة، ثم المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع جماعة الحوثي. وفي محادثات الرياض عام 2023، كان دفع رواتب موظفي الدولة في مناطق سيطرة الجماعة، إلى جانب فتح الموانئ ومطار صنعاء وجدول خروج القوات الأجنبية، ضمن الملفات الرئيسية المطروحة. وحتى أغسطس 2026، ظل المبعوث الأممي يتحدث عن الرواتب والخدمات باعتبارها جزءاً من التسوية الاقتصادية التي يفترض أن تقود إلى عملية سياسية أوسع.
لكن التسوية لم تنتج سلاماً، ولم تمنع جماعة الحوثي من العودة إلى القوة حين تغيرت الظروف الإقليمية.
وهنا تظهر المعضلة السعودية: الرياض تعاملت خلال السنوات الأخيرة مع جماعة الحوثي باعتبارها خصماً يمكن احتواؤه بالتفاوض، فيما كانت الجماعة تحتفظ بقدرتها العسكرية وبهيكل حكمها وبمساحات واسعة من اليمن. وعندما عادت الحرب الإقليمية واتسعت المواجهة مع إيران، أصبحت هذه القدرات ورقة ضغط مباشرة على المملكة نفسها، من جنوبها إلى طرق تصدير نفطها في البحر الأحمر.
التحالفات الجديدة لا تبدو أقل غموضاً.
اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان، قُدم باعتباره إطاراً للردع الجماعي. وقال مسؤولون باكستانيون إن الاعتداء على السعودية يمكن أن يؤدي إلى تفعيله. لكن التفاصيل العلنية للاتفاق ما زالت محدودة، فيما السؤال اليمني أكثر تعقيداً من مجرد الدفاع عن الحدود السعودية: من سيقاتل على الأرض؟ ومن يوقف تقدم جماعة الحوثي نحو باب المندب؟ ومن يعيد بناء قوة يمنية موحدة تستطيع الاحتفاظ بالأرض بعد الغارات الجوية؟
هذه أسئلة تصبح أكثر إلحاحاً بعد تصدع الشراكة السعودية-الإماراتية في اليمن.
الإمارات لم تكن شريكاً رمزياً في حرب 2015. كانت طرفاً عسكرياً رئيسياً في التحالف، وأسهمت في بناء ودعم قوى محلية في الجنوب والساحل الغربي. لكن الخلاف بين أبوظبي والرياض حول جنوب اليمن اتسع لاحقاً، ووصل في أواخر 2025 إلى أزمة علنية انتهت بإعلان الإمارات سحب قواتها المتبقية، بعدما طالبت الرياض بوقف دعم المجلس الانتقالي الجنوبي. وبحلول 2026، وصفت رويترز الخلاف بأنه شرخ في التحالف الذي واجه جماعة الحوثي.
ربما كانت الرياض تريد يمنًا أقل تعدداً في مراكز القوة وأكثر قابلية للإدارة من خلال حكومة واحدة. لكن ما حدث عملياً هو أن القوى المناهضة لجماعة الحوثي أصبحت أكثر تشتتاً، بينما احتفظت الجماعة بقيادة مركزية وقرار عسكري أكثر وضوحاً.
التطورات الأخيرة في المخا تكشف ثمن هذا الاختلال. رويترز نقلت عن مصادر حكومية يمنية أن القوات طلبت دعماً جوياً أكبر من السعودية، لكن الرياض اكتفت بدرجة أكبر بالمساندة اللوجستية والاستخباراتية تجنباً لتوسيع المواجهة. وفي المقابل، كانت جماعة الحوثي تتقدم نحو أكثر المناطق حساسية للأمن السعودي: البحر الأحمر وباب المندب.
هنا تكمن المفارقة. السعودية بحثت عن تسوية تقلل تكلفة الحرب، ثم بحثت عن تحالفات إقليمية توسع مظلة الردع، لكنها في الوقت نفسه خسرت تماسك التحالف اليمني الذي احتاجته على الأرض.
لا يعني ذلك أن العودة إلى حرب 2015 هي الحل. التجربة نفسها أثبتت حدود القوة الجوية عندما لا يصاحبها مشروع سياسي وعسكري يمني متماسك. لكن التسوية التي تمنح الخصم وقتاً من دون أن تبني في المقابل شريكاً قادراً على ردعه ليست سلاماً دائماً؛ إنها هدنة يستطيع الطرف الأكثر تنظيماً استخدامها بصورة أفضل.
اليمن اليوم يعيد هذا الدرس إلى الرياض بأقسى طريقة: يمكن شراء الوقت بالمفاوضات، ويمكن بناء تحالفات بعيدة المدى في مكة، لكن الجغرافيا لا تدافع عنها الاتفاقات وحدها.