لم يعد التصعيد مجرد أداة ضغط تسبق التفاوض، بل بات في ذاته وسيلة لإعادة تشكيل شروطه. فالهجوم الإيراني المفاجئ أنهى هدنة ميدانية قصيرة منحت أسواق الطاقة بعض الهدوء، وأظهر أن طهران مستعدة لاختبار قدرة واشنطن على الرد من دون الانجرار إلى حرب أشمل. وفي المقابل، جمع ترامب بين التهديد بضربة مؤلمة والتأكيد أن المحادثات يمكن أن تستمر، في محاولة للحفاظ على الردع من دون إغلاق المخرج الدبلوماسي.
يعكس القرار الإيراني صعود الحرس الثوري داخل منظومة الحكم وقدرته المتزايدة على تحديد إيقاع المواجهة. ويرى محللون أن المؤسسة العسكرية الإيرانية أصبحت أكثر ارتياحاً لحالة حرب ممتدة تمنحها نفوذاً داخلياً وتؤجل مواجهة الاستياء الشعبي من الاقتصاد والقمع السياسي. كما تسمح اللامركزية لبعض القادة الإقليميين باتخاذ قرارات قتالية، وهي صيغة توفر المرونة لكنها تزيد خطر الحسابات الخاطئة والهجمات غير المتوقعة.
في الوقت نفسه، اتسعت خريطة الاشتباك. فقد شنّت الولايات المتحدة والسعودية ضربات على جماعات موالية لإيران في العراق بعد هجمات استهدفت منشآت عسكرية أميركية ومرافق نفطية سعودية. ودخل الحوثيون المواجهة عبر استهداف موانئ ومنشآت في البحر الأحمر، بينما بقي مضيق هرمز شبه مغلق. وهكذا انتقلت الحرب من مواجهة ثنائية إلى شبكة مترابطة من الجبهات، تستطيع فيها ضربة محدودة رفع أسعار النفط أو استدراج دول جديدة إلى القتال.
التفاصيل
- الهجوم الإيراني: قال مسؤول أردني إن الدفاعات اعترضت خمسة صواريخ في الصحراء الشرقية من دون وقوع إصابات أو أضرار مادية.
- الهدف المعلن: قال الحرس الثوري إنه استهدف قاعدة أميركية ومقر القيادة المركزية الأميركية في الأردن رداً على ما وصفه بأعمال عدوانية.
- الرد المنتظر: تعهد ترامب بضرب إيران بقوة، لكنه لم يحدد توقيت العملية أو أهدافها أو نطاقها.
- نافذة التفاوض: أكد الرئيس الأميركي أنه سيسمح باستمرار المحادثات، رغم أن الطرفين لم يقتربا بعد من استئناف مفاوضات سلام رسمية.
- الجبهة العراقية: أعلنت قوات الحشد الشعبي مقتل 20 من عناصرها في ضربات أميركية وسعودية استهدفت جماعات مسلحة موالية لطهران.
- معضلة هرمز: رفضت إيران مقترحاً عُمانياً لتقاسم إدارة ممرات الملاحة، وطالبت بالسيطرة المنفردة على السفن الداخلة إلى الخليج.
- قيود واشنطن: تواجه الإدارة الأميركية ضغوطاً مرتبطة بتراجع مخزونات صواريخ الدفاع الجوي، وارتفاع أسعار الوقود، وتنامي المعارضة الداخلية للحرب قبل انتخابات التجديد النصفي.
- صدمة النفط: قفز خام برنت بنحو 7 إلى 8 في المئة وتجاوز 90 دولاراً للبرميل مع انتهاء التوقف القصير للضربات.
بين السطور
تراهن إيران على أن قدرتها على تهديد القواعد الأميركية والممرات البحرية ستجعل كلفة استمرار الحرب أعلى من كلفة التفاوض معها. لكن هذه المقامرة تفترض أن واشنطن ستختار رداً محدوداً؛ وهو افتراض قد ينهار إذا قرر ترامب استعادة الردع عبر استهداف منشآت عسكرية أو نووية أو بنية تحتية داخل إيران.
ما الذي نترقبه؟
يتوقف المسار المقبل على طبيعة الرد الأميركي: ضربة محسوبة قد تعيد الطرفين إلى التفاوض، أما توسيع قائمة الأهداف فقد يطلق جولة انتقامية تشمل القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن ومنشآت الطاقة. وستكشف حركة السفن في هرمز وباب المندب، إلى جانب موقف الجماعات العراقية والحوثيين، ما إذا كان التصعيد الإيراني محاولة لتحسين شروط الصفقة أم بداية مرحلة أطول من الحرب.