أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إحياء سيناريو بدا مستبعداً قبل أشهر، عندما اقترح أكثر من مرة أن تضطلع سوريا بدور في مواجهة حزب الله داخل لبنان إذا لم تتمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها العسكرية.
ورغم أن الفكرة جاءت في سياق حديثه عن إنهاء الحرب وتقليص الخسائر البشرية، فإنها أثارت قلقاً واسعاً في المنطقة، ليس بسبب انعكاساتها العسكرية فقط، بل لأنها تستحضر واحدة من أكثر مراحل التاريخ اللبناني حساسية، عندما بقي الجيش السوري منتشراً في لبنان نحو ثلاثة عقود قبل انسحابه عام 2005.
التفصيل
- بحسب نيويورك تايمز، كرر ترامب خلال الأسابيع الماضية أن سوريا قد تكون قادرة على “إنجاز المهمة” ضد حزب الله بصورة أفضل، في ظل استيائه من استمرار الحرب وتعثر الجهود الرامية إلى تثبيت تفاهمات أوسع مع إيران.
- الرئيس السوري أحمد الشرع رفض هذه الفكرة بشكل واضح، مؤكداً أن بلاده لا تنوي الدخول في حرب داخل لبنان، وأن أي دور سوري يجب ألا يعيد نموذج “الوصاية” الذي ارتبط بعهد نظام الأسد.
- كما سارعت السلطات اللبنانية إلى احتواء الجدل، إذ اعتبر الرئيس جوزاف عون أن تصريحات الشرع أنهت الحديث عن أي دور عسكري سوري، بينما وصف رئيس الوزراء نواف سلام الموقف السوري بأنه رسالة طمأنة للبنان.
- في المقابل، اعتبر الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أن الطرح الأميركي جزء من خطة أميركية إسرائيلية لمحاصرة الحزب من أكثر من جبهة، مشيراً إلى أن دمشق رفضت الانخراط فيها.
لماذا تبدو الفكرة شديدة الخطورة؟
تكمن حساسية الطرح في أنه لا يتعلق بعملية عسكرية محدودة، بل بإعادة إدخال الجيش السوري إلى الساحة اللبنانية، وهي مسألة لا تزال تمثل جرحاً سياسياً وطائفياً مفتوحاً منذ انسحاب القوات السورية عام 2005 بعد نحو 29 عاماً من وجودها العسكري.
ويرى محللون أن دخول قوات سورية إلى لبنان، حتى لو تم تحت عنوان مواجهة حزب الله، قد يخلق صداماً مع مكونات لبنانية مختلفة، ويعيد إنتاج الانقسامات التي رافقت سنوات النفوذ السوري.
كما أن حكومة أحمد الشرع ما تزال في مرحلة تثبيت سلطتها داخل سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وتواجه تحديات أمنية واقتصادية وإدارية كبيرة، ما يجعل فتح جبهة خارجية مخاطرة قد تستنزف قدراتها وتضعف عملية إعادة بناء الدولة.
وتحذر الباحثة في تشاتام هاوس لينا الخطيب من أن دفع دمشق نحو التدخل في لبنان قد يؤدي إلى زعزعة استقرار البلدين معاً، إذ يمكن أن يشعل توترات طائفية داخل لبنان، بينما يمنح حزب الله مبرراً لنقل المواجهة إلى الداخل السوري عبر حلفائه وشبكاته الحدودية.
خلفية
شهدت العلاقات السورية اللبنانية تحولاً جذرياً بعد سقوط نظام بشار الأسد. فالنظام السابق كان الحليف الأبرز لإيران، وشكل الممر الرئيسي لوصول السلاح إلى حزب الله، بينما قاتل الحزب إلى جانب قوات الأسد طوال سنوات الحرب السورية.
أما الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، فقد تبنت سياسة مغايرة تقوم على الابتعاد عن إيران ووكلائها، وشددت الرقابة على الحدود، ونفذت حملات ضد شبكات تهريب واتهمت عناصر مرتبطة بحزب الله بمحاولة تنفيذ عمليات داخل سوريا، وهي اتهامات نفى الحزب صحتها.
وفي الأسابيع الأخيرة، غذّت تحركات عسكرية اعتيادية على الحدود السورية اللبنانية، إلى جانب تصريحات ترامب، موجة واسعة من الشائعات عن استعداد دمشق للتدخل في لبنان، لكن منصات تحقق مستقلة ومسؤولين سوريين نفوا وجود استعدادات استثنائية أو خطط لاجتياح الأراضي اللبنانية.
ماذا بعد؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن دمشق مستعدة للاستجابة لطرح ترامب، كما لا يظهر أن الحكومة اللبنانية تؤيد أي دور عسكري سوري على أراضيها.
لكن مجرد طرح الفكرة من الرئيس الأميركي يعكس تحولاً في نظرة واشنطن إلى الحكومة السورية الجديدة، ويضع دمشق أمام اختبار دقيق بين الحفاظ على علاقتها المتنامية مع الولايات المتحدة، وتجنب الانزلاق إلى صراع قد يعيد خلط موازين القوى في المشرق ويهدد الاستقرار الهش في سوريا ولبنان.