أخبار عالمية تقدم إشارات واضحة حول ما يهم في المستقبل

-

الشرق الأوسط

منصة MONOCLE: الإمارات الدولةٍ التي تتأسس قدرتها على الصمود وعلى التنوع.

Facebook
LinkedIn
X
Facebook
في صباح 7 مارس، وبينما كان يجري رفع حطام الهجمات الإيرانية التي جرى اعتراضها من شوارع أبوظبي ودبي، أرسل لي زميل صورة. كانت تُظهر شرفة مقهى خارج منزله في حي جميرا. الطاولات مشغولة، والصباح يمضي كعادته، ووجوه من معظم قارات العالم حاضرة في المكان. وكان أحدهم قد رسم قلباً كبيراً على الزجاج بقلم تعليم. وتحت الصورة كُتبت عبارة: ما زلنا هنا.

 منذ ذلك الحين وأنا أفكر في تلك الصورة.

تضم دولة الإمارات أكثر من 200 جنسية. وهي، بكل المقاييس، أكثر بقاع الأرض تعدداً وانفتاحاً، إذ إن تسعة من كل عشرة من سكانها وُلدوا خارجها. وعلى مدى خمسة عقود، أمضت الدولة في بناء شيء فريد بالفعل: اتحاد من مدن-دول يزدهر بالانفتاح. ولو أزلت الملايين الذين جاءوا من الخارج، والشركات الأجنبية، والتجارة العابرة للحدود، فلن تبقى هناك الإمارات كما نعرفها. وقد فهم مؤسسو الدولة ذلك. وكذلك فهمه كل من جاء بعدهم.

لقد أصابت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية مطارات وموانئ ومباني سكنية وفنادق، ومراكز بيانات تشغّل مشاريع ذكاء اصطناعي عبر ثلاث قارات. وتقول طهران إن أهدافها أصول عسكرية أميركية. لكن جغرافية الأضرار تقول شيئاً مختلفاً. فما يتعرض للهجوم ليس البنية التحتية فقط، بل أيضاً فكرة كاملة: أن مكاناً بُني على شمول حقيقي يمكنه أن يصمد ويزدهر في واحدة من أكثر مناطق العالم تنازعاً.

والمثير للاهتمام ليس أن الإمارات تعرضت لهجوم. فكثير من الأماكن الناجحة تعرضت لهجمات. المثير حقاً هو ما حدث بعد ذلك.

الناس الذين اختاروا المجيء إلى هنا، في الأغلب، بقوا. ليس الجميع طبعاً. فقد غادر بعضهم التزاماً بتوجيهات سفاراتهم. ولا ينبغي لأحد أن يتظاهر بأن الخوف لم يكن حقيقياً. فقد قُتل سبعة أشخاص وأصيب العشرات، واهتزت عائلات كثيرة. لكن النسيج الاجتماعي الاستثنائي الذي يشدّ هذا البلد بعضه إلى بعض لم يتمزق. هناك فرق بين أن تعيش في بلد وأن تنتمي إليه. وفي الإمارات، بالنسبة إلى معظم الـ89 في المئة الذين جاؤوا من الخارج، صار الأمران، بهدوء، شيئاً واحداً.

وهذا ليس أمراً صغيراً. بل هو، في الحقيقة، كل شيء.

ثمة حجة اقتصادية يمكن طرحها هنا، وهي حجة قوية. فالأنشطة غير النفطية تشكل الآن أكثر من 77 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للإمارات. يمكنك أن تبني نموذجاً لاقتصاد. لكنك لا تستطيع أن تبني نموذجاً للانتماء. الأولى يمكن اختبارها تحت الضغط وقياسها بالأرقام. أما الثانية فلا تُقاس إلا بما يُعاش. وما يُعاش هنا، من قبل الملايين الذين اختاروا البقاء، أكثر صلابة من أي ميزانية عمومية.

لطالما جرى تصوير الخليج، في بعض الأوساط، على أنه مكان عابر، مجموعة من المقيمين المؤقتين الذين يمرون مروراً، لا يدينون بشيء ولا يتوقعون شيئاً، ومستعدون للاختفاء عند أول إشارة إلى الصعوبة. هذه الصورة النمطية لم تنصف أبداً حقيقة ما بُني هنا. فمريب زمان، السائق الباكستاني الذي قُتل بسبب حطام متساقط في 7 مارس، كان قد عاش في الإمارات وربّى أسرته فيها لأكثر من عقد. لم يكن عابراً. كان في وطنه.

ما يبدو أن النظام الإيراني تعثر في فهمه، وربما من دون أن يدرك ذلك بالكامل، هو المفارقة المركزية في النموذج الذي يهاجمه. انفتاح الإمارات ليس نقطة ضعف. بل هو أكبر مصادر قوتها. فالدولة التي تتشكل فيها روابط المجتمع لا على أساس العرق أو الدين أو اللغة، بل على أساس الاستثمار المشترك في مكان واحد، في مؤسساته، وطموحاته، وطريقته الخاصة في الوجود في العالم، تتبين أنها شديدة الصعوبة على زعزعة الاستقرار. الناس لا يتركون ما ساعدوا في بنائه معاً.

هناك درس هنا يتجاوز الخليج العربي بكثير. العالم مليء بقادة يعدون بالتماسك عبر التجانس، وبالأمن عبر الإقصاء، وبالهوية عبر تعريف الأعداء. أما الإمارات فقد أمضت 50 عاماً في بناء حجة مختلفة: أن أكثر المجتمعات والاقتصادات استقراراً هي تلك التي لديها أكثر ما تخسره من الاضطراب، وأن الانفتاح والأمن ليسا نقيضين، وأن بلداً يضم نحو 200 جنسية يمكن، في زمن الانقسام، أن يكون التجربة الأكثر أهمية في عصرنا.

لقد أصدرت هذه التجربة حكمها بالفعل.

وصورة المقهى تؤكد ذلك.

بدر جعفر هو المبعوث الخاص لوزير خارجية الإمارات لشؤون الأعمال والعمل الخيري.

ماذا تقرأ بعد ذلك

العالم

-

“عقيدة الموزاييك” كيف يحتمي الحرس الثوري؟

الشرق الأوسط

-

منصة MONOCLE: الإمارات الدولةٍ التي تتأسس قدرتها على الصمود وعلى التنوع.

اقتصاد, العالم

-

هل تنقل واشنطن الحرب إلى خليج ملقا؟

اقتصاد

-

عبور محدود لناقلات عبر مضيق هرمز رغم الحرب مع إيران!

آراء

-

أميركا وإسرائيل.. عدو واحد باستراتيجيتين!

الشرق الأوسط

-

كيف تطارد إسرائيل “رجال النظام” داخل مخابئهم؟!