تتحرك باكستان اليوم على خط شديد الحساسية بين واشنطن وطهران، في لحظة جعلت قائد جيشها عاصم منير أحد الوجوه الأكثر حضوراً في محاولات وقف التصعيد مع إيران.
لكن خلف هذا الدور الدبلوماسي، تظهر طبقة أعمق من العلاقة الإيرانية الباكستانية:
-حدود رخوة
-تهريب وقود واسع
-شبكات مرتبطة بالحرس الثوري
-ومؤسسة عسكرية تمسك بمفاصل السياسة والأمن والاقتصاد في البلاد.
تفصيل
• تظهر تقارير دبلوماسية أن باكستان انتقلت خلال حرب إيران من موقع الدولة الهامشية إلى قناة تفاوضية بين واشنطن وطهران، مستندة إلى حدودها الطويلة مع إيران، وعلاقاتها مع الخليج، وقدرة جيشها على إدارة ملفات لا تمر بالضرورة عبر الحكومة المدنية.
• برز نجم عاصم منير في هذا السياق كصاحب الدور الأهم داخل الدولة الباكستانية، بوصفه رجل المؤسسة التي تدير عملياً جزءاً كبيراً من القرار السياسي والأمني في إسلام آباد.
• تحرك منير في مساحة نادرة:
-قناة تواصل مباشرة مع واشنطن
-وعلاقة عمل مع الخليج
-وقدرة على تمرير الرسائل إلى طهران. هذه المساحة جعلته وسيطاً مهماً، لكنها جعلت باكستان أيضاً طرفاً يصعب تصنيفه بوضوح بين المعسكرين.
• فالعلاقة بين إيران وباكستان ليست تحالفاً مستقراً ولا عداءً كاملاً.
•يتعاون الطرفان عند الحاجة في ضبط الحدود والتجارة والتهدئة، ثم يعودان إلى التوتر بسبب الجماعات البلوشية، والضربات المتبادلة، وشكوك كل طرف في استخدام الآخر أراضيه ضد مصالحه.
• في يناير ٢٠٢٤، كشف القصف الحدودي المتبادل بين إيران وباكستان هشاشة العلاقة الأمنية. فقد استهدفت طهران ما قالت إنها مواقع لجماعات بلوشية داخل باكستان، وردت إسلام آباد بضربات داخل إيران. بعد أيام عاد الطرفان إلى التهدئة، بما يعكس طبيعة العلاقة: أزمة حادة ثم إدارة سريعة للأضرار.
• داخل هذه المنطقة الرمادية، يظهر الحرس الثوري بوصفه لاعباً لا يمكن تجاهله في الحسابات الباكستانية. التأثير الإيراني لا يظهر بالضرورة عبر اختراق مباشر لمؤسسات الدولة، بل عبر مزيج من الحدود، والشبكات المذهبية، والتجارة غير القانونية، وقنوات الاتصال الأمنية.
• أحد أبرز هذه المسارات هو لواء زينبيون، وهو تشكيل يضم مقاتلين باكستانيين جندتهم شبكات مرتبطة بإيران للقتال في سوريا. حظرت باكستان الجماعة لاحقاً واعتبرتها تهديداً للأمن الداخلي، في إشارة إلى أن إسلام آباد لا تتعامل مع النفوذ الإيراني باعتباره ملفاً خارجياً فقط.
• يمثل زينبيون نموذجاً لطريقة النفوذ غير المباشر: تجنيد داخل بيئة اجتماعية باكستانية، تدريب أو تعبئة خارجية، ثم احتمال عودة عناصر إلى الداخل الباكستاني بخبرة قتالية وولاء عابر للحدود.
• لكن الملف الأكثر حساسية في العلاقة بين إيران وباكستان ليس أمنياً فقط، بل هو ملف اقتصادي كذلك.
فالعقوبات المفروضة على إيران، وحاجة السوق الباكستانية إلى الوقود الرخيص، خلقتا اقتصاداً موازياً واسعاً على الحدود.
• تشير تقديرات باكستانية إلى أن تهريب الوقود الإيراني وصل في بعض المراحل إلى ملايين اللترات يومياً، مع خسائر ضخمة للخزينة نتيجة ضياع الضرائب والرسوم، وتضرر شركات الطاقة الحكومية داخل باكستان.
• لا يمر هذا الحجم من الوقود عبر الحدود كحركة فردية صغيرة. فهكذا مسار يحتاج ارتال من الشاحنات، وطرقاً، ونقاط عبور آمنة، ومحطات بيع، وشبكات توزيع، وغض طرف عند مراحل مختلفة. هنا يتحول التهريب إلى بنية اقتصادية محمية بفعل الأمر الواقع.
• تبرز بلوشستان في قلب هذه المعادلة. فالإقليم الفقير يعتمد عدد كبير من سكانه على تجارة الوقود الإيراني، ما يجعل أي حملة صارمة ضد التهريب قابلة لإشعال غضب اجتماعي ومعيشي، خصوصاً في مناطق تعاني أصلاً من التهميش والتمرد المسلح.
• تعاملت السلطات الباكستانية مع الملف بازدواجية واضحة: فمن جهة، تعلن مكافحة التهريب على المستوى المركزي، لكنها تضطر محلياً إلى تنظيم السوق أو التساهل معه لتجنب انفجار اجتماعي. هذه الازدواجية هي التي تجعل الوقود الإيراني ملفاً أمنياً وسياسياً ابعد من كونه مجرد قضية جمارك وضرائب.
• داخل هذه البيئة، يصبح دور الجيش الباكستاني محورياً. فالجيش موجود في السياسة، وفي الحدود، وفي إدارة الأزمات، وفي حملات مكافحة التهريب، وفي ضبط إقليم بلوشستان. لذلك لا يمكن قراءة اقتصاد الوقود الإيراني بعيداً عن نفوذ المؤسسة العسكرية، حتى عندما لا تظهر أسماء محددة في الواجهة.
• صعود منير عزز هذا التشابك. فالرجل يقدم نفسه خارجياً كضامن للاستقرار وقناة اتصال مع إيران، وداخلياً كقائد لمؤسسة قادرة على ضبط الفوضى السياسية والاقتصادية. وهذا ما يمنحه نفوذاً إضافياً في كل ملف رمادي، من الوساطة إلى الحدود إلى الاقتصاد غير الرسمي.
• بالنسبة لواشنطن، تكمن المعضلة في أن باكستان مفيدة وغير مريحة في الوقت نفسه. فهي تملك نافذة على طهران، لكنها تعيش أيضاً على تماس مباشر مع شبكات إيرانية غير نظامية، وتغض الطرف أحياناً عن اقتصاد يتغذى من العقوبات على إيران.
• بالنسبة لطهران، تمثل باكستان ممراً ضرورياً لا يمكن خسارته. فهي:
– جارة نووية
-وسوق خلفية
-وممر تهريب
-وقناة سياسية عند الحاجة،
-وساحة يمكن عبرها امتصاص جزء من ضغط العقوبات والحصار.
• أما بالنسبة للجيش الباكستاني، فإن العلاقة مع إيران تمنحه ورقة تفاوض إضافية. يستطيع أن يقدم نفسه لواشنطن كوسيط، وللخليج كحاجز أمام التمدد الإيراني، ولطهران كجار قادر على فتح قنوات خلفية عند الضرورة.
ماذا بعد؟
تتجه العلاقة بين باكستان وإيران إلى مزيد من الالتباس، وليس نحو وضوح أكبر. فكلما اشتدت العقوبات على طهران، ارتفعت قيمة الحدود الباكستانية.
وكلما احتاجت واشنطن إلى وسيط مع إيران، ارتفعت قوة عاصم منير. وكلما ضغطت إسلام آباد على التهريب، اصطدمت بواقع اجتماعي واقتصادي يجعل الوقود الإيراني جزءاً من حياة بلوشستان اليومية.
القصة ليست أن باكستان أصبحت في المعسكر الإيراني، ولا أن الجيش الباكستاني قطع صلته بواشنطن. القصة الأدق أن باكستان، تحت قيادة عسكرية شديدة النفوذ، تحولت إلى عقدة رمادية بين ثلاث مصالح:
•وساطة سياسية مع إيران،
•شراكة أمنية مع واشنطن والخليج، •واقتصاد حدودي يستفيد من العقوبات بدل أن يلتزم بها بالكامل.
هذه هي نقطة الضعف الكبرى في الرهان الأمريكي على إسلام آباد: باكستان تستطيع نقل الرسائل، لكنها ليست وسيطاً محايداً بالكامل. وتستطيع محاربة التهريب، لكنها ليست بعيدة عن بنيته. وتستطيع التحدث مع إيران، لكنها لا تملك فصل هذا الحوار عن مصالح الحدود والجيش والاقتصاد الموازي.