لكن السبب الأكثر مباشرة للعملية الجارية كان احتجاجات الإيرانيين ضد نظامهم. ففي 13 يناير كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تروث سوشال: أيها الوطنيون الإيرانيون، واصلوا الاحتجاج وسيطروا على مؤسساتكم، المساعدة في الطريق إليكم. استغرق وصول تلك المساعدة 46 يوماً، لكنها حين وصلت جاءت على نطاق واسع.
ومن بين أسباب غضب المحتجين الإيرانيين من حكامهم في طهران أن اقتصاد البلاد كان ينهار مع نهاية 2025. فبحسب تقرير محلي، قال البنك المركزي الإيراني في أواخر ديسمبر إن التضخم على أساس سنوي حتى أواخر ذلك الشهر بلغ 52.6 في المئة، بزيادة 3.2 نقاط مئوية عن الشهر السابق، فيما ارتفع متوسط التضخم السنوي إلى 42.2 في المئة.
ثم ازداد الوضع سوءاً. فقد ارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات والتبغ 72 في المئة على أساس سنوي، مقابل 43 في المئة للسلع والخدمات غير الغذائية. وبلغ التضخم الشهري 4.2 في المئة، مدفوعاً بارتفاعات حادة في السلع الأساسية مثل الألبان والخبز.
واللافت أن هذه الأرقام وردت عبر وكالة تسنيم في طهران، وهي وكالة مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. وبمعنى آخر، من الممكن أن تكون هذه الأرقام هي النسخة الملطفة من الواقع.
وفي فبراير، بدأ البنك المركزي الإيراني طرح أكبر ورقة نقدية في البلاد، وهي فئة خمسة ملايين ريال. وعند إصدارها كانت تساوي نحو 3.10 دولارات. وفي الأسبوع الماضي، صنفتها فوربس بوصفها أقل عملة قيمة في العالم.
صحيح أن العقوبات الدولية تخنق الاقتصاد الإيراني، لكن البلاد تعاني أيضاً من مشكلات حقيقية تتعلق بالفساد وسياسات تفضيل المحسوبين على النظام. وكان علي أنصاري، مدير معهد الدراسات الإيرانية في جامعة سانت أندروز، قد كتب في يناير أن الاقتصاد الإيراني تحكمه النظرة القصيرة الأمد، والضبابية، وغياب المساءلة، وهي عوامل تحددها وتعيد إنتاجها في الوقت نفسه غياب سيادة القانون.
وأضاف أنصاري أن أحد رجال الأعمال الأجانب قال له: لماذا نستثمر نحن إذا كان الإيرانيون أنفسهم لا يفعلون؟ وأي استثمار، ولا سيما الاستثمار ذي الطبيعة الاستراتيجية، كان تميل الدولة إلى توليه، وهو ما كان يعزز الدولة نفسها في مواجهة أي قطاع خاص ناشئ.
لقد شهدنا احتجاجات أخرى ضد النظام الإيراني في 2009 و2011 و2017 و2018 و2022. لكن ما جعل الوضع هذه المرة أشد سوءاً هو أن الإيراني العادي كان يرى عملته تفقد قيمتها بسرعة، فيما تصبح المواد الغذائية أكثر كلفة يوماً بعد آخر. وفوق ذلك، لم يكن لدى الملالي كثير من الأفكار لمعالجة الأزمة.
وحتى إذا تمكن النظام من قمع الاحتجاجات بعنف، وهو ما يبدو أنه فعله على الأقل حتى الآن، فإن المشكلات الاقتصادية نفسها ستظل في انتظاره بعد انتهاء النزاع، لكن بصورة أشد قسوة.
وفي وقت سابق من هذا العام، ذكرت فايننشال تايمز أن مركز تصدير وزارة الدفاع الإيرانية مستعد للتفاوض على عقود عسكرية تسمح بالسداد عبر العملات الرقمية، أو بالمقايضة، أو بالريال الإيراني. لكن بيع السلاح يصبح أصعب كثيراً حين تكون مصانع الذخائر والأسلحة قد تعرضت للتدمير.
أما أسطول إيران الخفي من ناقلات النفط، فلم يعد موثوقاً كما كان. فإلى جانب ملاحقة البحرية الأميركية لبعض هذه السفن ومصادرتها، لم تعد بعض الناقلات متحمسة للإبحار عبر الخليج بينما الصواريخ والمسيّرات تتطاير في الأجواء.
وقد أفادت لويدز ليست بأن ست ناقلات على الأقل من أسطول الظل كانت تسير فارغة وغيرت مسارها بعد بدء النزاع في 28 فبراير. كما حولت أربع ناقلات مسارها وهي تبحر غرباً نحو مضيق هرمز، ويرجح أنها كانت في طريقها لتحميل النفط الإيراني، لكن معظمها أصبح الآن عالقاً في خليج عمان أو في بحر العرب.
لم يكن الملالي معروفين أصلاً ببراعتهم الاقتصادية قبل أن يبدأ إطلاق النار. وحتى إذا احتفظوا بالسلطة بعد الحرب، فإنهم سيكونون مفلسين. إعادة بناء جيشهم ستكون مكلفة، كما أن تمويل حماس أو حزب الله أو برنامج أسلحة نووية سيبدو ترفاً لا قدرة لهم على تحمله.
الحرب تفرض ضغوطاً اقتصادية على الولايات المتحدة وحلفائها، لكنها في الوقت نفسه تزيد من فظاعة الكابوس الاقتصادي القائم بالفعل بالنسبة إلى الإيرانيين.
جيم غيراغتي
كبير المراسلين السياسيين في ناشونال ريفيو، ويكتب فيها النشرة اليومية مورنينغ جولت، إلى جانب مهام تحريرية أخرى. وهو مؤلف رواية The Weed Agency التي دخلت قائمة واشنطن بوست للأكثر مبيعاً، وكتاب Heavy Lifting بالمشاركة مع كام إدواردز، وكتاب Voting to Kill، إضافة إلى سلسلة روايات الإثارة Dangerous Clique.