دخلت أزمة هرمز مرحلة أكثر تعقيداً بعد اعتراض البحرية الأميركية سفينة شحن إيرانية قالت واشنطن إنها حاولت كسر الحصار المفروض على الحركة من وإلى الموانئ الإيرانية.
وبحسب الرواية الأميركية، فإن المدمّرة USS Spruance وجّهت إنذارات متكررة للسفينة توسكا على مدى ساعات، قبل أن تطلق النار على غرفة المحركات لتعطيلها، ثم تصعد إليها قوة من مشاة البحرية وتضعها تحت السيطرة الأميركية.
لكن أهمية الحادثة تتعلق بتوقيتها السياسي. فبينما أعلن ترامب أن مفاوضين أميركيين سيتوجهون إلى إسلام آباد لاستئناف المحادثات، خرجت طهران برسالة معاكسة تقريباً، إذ قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إنه لا توجد خطط لجولة جديدة حتى الآن، وإن التصرفات الأميركية لا تعكس أي جدية في استئناف المسار الدبلوماسي.
في الخلفية، تتعامل باكستان مع المشهد بوصفه مساراً لم يُلغَ بعد. ووفق ما نُقل عن مصدر أمني باكستاني، فإن قائد الجيش عاصم منير أبلغ ترامب أن حصار مضيق هرمز يشكل عقبة أمام المحادثات، فيما رد ترامب بأنه سيأخذ نصيحته بشأن فك الحصار عن إيران بعين الاعتبار.
اقتصادياً، تزامن هذا كله مع قفزة جديدة في أسعار النفط. فقد صعد خام برنت بأكثر من 6% إلى حدود 96 دولاراً للبرميل، بينما ارتفع الخام الأميركي إلى نحو 88 دولاراً، مع بقاء التوقعات بأن تظل حركة الشحن عبر هرمز ضعيفة ما لم يحدث اختراق سياسي واضح.
التفصيل
• ما الذي حدث في البحر؟
تقول القيادة المركزية الأميركية إن السفينة الإيرانية توسكا تجاهلت أوامر التوقف خلال عبورها باتجاه الموانئ الإيرانية، فجرى استهداف غرفة المحركات لتعطيلها، ثم صعدت إليها قوة من المارينز وبدأت تفتيشها. وتعد هذه أول حادثة تعلن فيها واشنطن استخدام القوة المباشرة ضد سفينة مرتبطة بإيران منذ بدء الحصار البحري الموسع.
• لماذا تعد الحادثة سياسية؟
لأنها وقعت في لحظة تتحدث فيها واشنطن عن جولة تفاوض جديدة. وهذا يجعل الرسالة مزدوجة: الولايات المتحدة تقول إنها تفاوض، لكنها في الوقت نفسه ترفع كلفة الميدان وتوسّع الضغط البحري. لذلك رأت طهران أن ما يجري لا ينسجم مع ادعاء البحث عن حل سياسي.
• كيف ردت الخارجية الإيرانية؟
الخطاب الإيراني كان متدرجاً لكنه متماسك. طهران قالت إن أميركا انتهكت وقف إطلاق النار بفرض حصار بحري عليها، وإن القرار بشأن المفاوضات سيتخذ بدقة وفق المصالح الإيرانية. كما أكدت، نقلاً عن مصادر وتصريحات متزامنة، أن الخلافات حول البرنامج النووي ما تزال قائمة، وأن استمرار الحصار الأميركي على هرمز يقوّض محادثات السلام، وأن إيران لا تفاوض على قدراتها الدفاعية أو برنامجها الصاروخي.
• ما دلالة التصريح الباكستاني؟
إذا صحت رواية المصدر الأمني الباكستاني، فهذا يعني أن إسلام آباد تحاول إنقاذ المسار التفاوضي عبر معالجة العقدة الأكثر إلحاحاً: الحصار على هرمز. الرسالة هنا أن المشكلة لم تعد فقط في البرنامج النووي أو الصاروخي، بل في أن البيئة الميدانية نفسها أصبحت معادية لنجاح أي تفاوض.
• كيف انعكس ذلك على النفط؟
السوق قرأت الحادثة باعتبارها إشارة إلى أن المضيق لن يعود سريعاً إلى طبيعته. لذلك ارتفعت الأسعار فوراً. فهرمز ليس مجرد ممر بحري، بل شريان يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية تقريباً، وأي تصعيد جديد حوله يترجم مباشرة إلى علاوة مخاطر في السوق.
ماذا بعد؟
السيناريو الأقرب الآن هو استمرار التفاوض الشكلي تحت ضغط التصعيد، لا العودة السريعة إلى مسار مستقر.
إذا أصرت واشنطن على إبقاء الحصار البحري والتعامل معه كأداة تفاوض، فستواصل طهران استخدامه دليلاً على غياب الجدية الأميركية.
وإذا لم تُحسم عقدة هرمز سريعاً، فستبقى كل جولة تفاوض مقبلة مهددة بالتعثر قبل أن تبدأ، وسيظل النفط يتحرك على إيقاع الخوف من توسع الاشتباك أكثر من تحركه على أمل التسوية.
(تحليل)
تحولت حادثة إلى اختبار مباشر لفكرة التفاوض نفسها. حيث تبدو واشنطن وكأنها تريد التفاوض من موقع الضغط الأقصى، بينما تريد طهران أولاً دليلاً على أن المسار السياسي ليس غطاءً لتكريس الحصار. وبين الموقفين، تظهر معضلة هرمز كالعقدة التي ستحدد ما إذا كانت مفاوضات إسلام آباد ستولد فعلاً أو ستبقى مجرد عنوان إعلامي.
المصادر