دخلت الحرب مرحلة أشد التباساً بعد أن نقل ترامب مركز الثقل من ضرب البنية العسكرية الإيرانية العامة إلى ضرب عقدة حساسة جداً: جزيرة خرج. في خطابه الأخير ومنشوراته على تروث سوشيال، قدّم الرئيس الأميركي رواية نصر متدرج: قال أولاً إن الولايات المتحدة دمّرت أهدافاً عسكرية في خرج، ثم رفع السقف بالقول إن إيران مهزومة بالكامل، وإنها تريد اتفاقاً لن يقبله، بعد أيام من حديثه عن أن الحرب حُسمت عملياً وأن واشنطن لا تريد المغادرة مبكراً قبل إنهاء المهمة.
هذا التسلسل يكشف أن خطاب ترامب بات يربط بين ٤ رسائل في وقت واحد: تدمير القدرة الإيرانية، نفي الحاجة إلى تسوية سريعة، إبقاء خيار خنق النفط الإيراني قائماً، وربط أي تصعيد لاحق مباشرة بحرية الملاحة في هرمز. عملياً، خرج دخلت الخريطة كعقدة تربط الحرب العسكرية بالحرب الاقتصادية.
تفصيل
قال ترامب إن القيادة الوسطى الأميركية نفذت واحدة من أقوى الغارات في تاريخ الشرق الأوسط، وإن كل الأهداف العسكرية في جوهرة إيران النفطية سُويت، مع إبقاء المنشآت النفطية خارج الاستهداف في هذه الجولة. ثم عاد ليهدد بأن هذا الاستثناء قد يسقط إذا تدخلت إيران أو أي طرف آخر بحرية وأمن مرور السفن في مضيق هرمز.
مما يعني أن الضربة كانت رسالة ردع مزدوجة: ضرب القدرة العسكرية الآن، وترك خنق الاقتصاد الإيراني كخيار جاهز للمرحلة التالية.
خرج عنوان الصفحة الجديدة!
الجزيرة التي تمر عبرها نحو ٩٠ بالمئة من صادرات النفط الإيرانية، الأمر الذي يجعلها أهم عقدة منفردة في اقتصاد الحرب الإيراني. لذلك فإن استهداف أهداف عسكرية فيها، مع تجنب البنية النفطية حتى الآن، يوصل رسالة أن واشنطن تريد إبقاء الضغط عند حافة الاختناق من دون الذهاب فوراً إلى تدمير كامل لمسار التصدير.
نيويورك تايمز وواشنطن بوست عرضتا هذا المعنى بوضوح: ضرب خرج يضغط على مركز الثقل الاقتصادي لإيران حتى لو لم تُضرب الخزانات والمرافئ نفسها بعد.
إيران مهزومة بالكامل في خطاب ترامب لا في الوقائع النهائية!
تصريح ترامب إن إيران مهزومة بالكامل هو ذروة خطابه التصاعدي، لكنه ليس حكماً نهائياً على الميدان.. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي يتحدث بلغة حسم، فيما سلوكه الميداني يشير إلى أنه ما زال يتعامل مع حرب مفتوحة على مراحل.
العراق يدخل المرحلة الجدية!
هجوم فجر السبت على مجمع السفارة الأميركية في بغداد، وبينها إصابة مهبط داخل المجمع تعني أن بغداد صارت ساحة تماس مباشر بين الحرب الإقليمية وشبكات الوكلاء. هذا ينهي مرحلة بقاء العراق في المنطقة الرمادية، لأن أي توسع في استهداف المصالح الأميركية أو القواعد أو المراكز الدبلوماسية سيدفعه أكثر إلى قلب المواجهة وليس التردد في هامشها.
أنباء عن استهداف “الحميداوي” بلا تأكيد مستقل حتى الآن!
بالتوازي، تداولت منصات وحسابات محلية عراقية أنباء عن استهداف “أبو حسين الحميداوي” أهم رجل في هيئة الحشد الشعبي بعد رئيس الشكلي، وهو قائد كتائب حزب الله، أثناء اجتماع في منزل شقيقه في بغداد. لكن حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يظهر تأكيد مستقل أو بيان رسمي يؤكد رواية مصرعه، فيما ظهرت روايات محلية متضاربة بين الحديث عن إصابته أو نفي الخبر.
لبنان يتحول إلى ساحة برية طويلة!
لبنان بدوره يتحرك نحو مرحلة أكثر ثقلاً. فقد وسعن إسرائيل عملياتها، وضربت قلب بيروت، ودمّرت جسراً فوق الليطاني، وهددت لبنان بدمار أوسع إذا لم يُنزع سلاح حزب الله. وفي المقابل، أفادت الأنباء بأن الحزب عاد إلى تكتيكات حرب العصابات ويتموضع تحسباً لغزو إسرائيلي واسع، فيما تحدثت عن إرسال إسرائيل قوات إلى الجنوب ووقوع قتال عنيف هناك.
الخليج يتصدى والنار تقترب من المراكز الاقتصادية
في الخليج، تتأكد معادلة جديدة: الهجمات تدور حول المجال الجوي والمدن والمراكز الاقتصادية وحركة الطيران والشحن. وثقت رويترز أرقاماً مرتفعة جداً لاعتراضات الصواريخ والمسيّرات فوق الإمارات وقطر والبحرين والكويت والسعودية، كما نقلت عن الأسواق أن تعطل الهجمات الجوية أثر في الرحلات والبورصات، فيما أظهرت صور وتقارير أضراراً جانبية بسيطة في محيط دبي وسقوط مسيّرات قرب مطارها الرئيسي.
إيران وإسرائيل: الصواريخ مستمرة والاختراقات قائمة!
على الجبهة الإيرانية الإسرائيلية، اخترقت بعض الصواريخ الإيرانية طبقات الدفاع الإسرائيلية وتسببت بحرائق وأضرار وإصابات، فيما استمرت الاعتراضات في السماء فوق تل أبيب وعسقلان ومناطق أخرى. وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل الضغط على الداخل الإيراني وعلى حركة الملاحة والطاقة، بما يحول الحرب إلى معركة استنزاف متعددة الطبقات: صواريخ، ودفاعات جوية، وشحن، وناقلات، وممرات نفطية.
تحول الحرب إلى سلاح اقتصادي
أخطر ما فعلته إيران في هذه المرحلة.
ماذا بعد؟
هل ستبقى خرج تحت سقف الاستهداف العسكري أم تنتقل إلى مرحلة ضرب منشآت التصدير والتخزين. إذا حصل ذلك، فستدخل الحرب طوراً جديداً تكون فيه إيران تحت ضغط اقتصادي خانق، ويصبح العراق أكثر انكشافاً، ويتحول لبنان إلى جبهة برية أثقل، فيما تبقى مدن الخليج والملاحة والطاقة تحت اختبار يومي.