بعد مقتل خامنئي تكشفت بوضوح طبيعة بنية الحكم في إيران. ولسنوات طويلة، قدّم النظام نفسه بوصفه دولة مؤسسات لها دستور وأجهزة وتدرج هرمي. لكن عند أول اختبار وجودي بهذا الحجم أظهر شيئاً آخر: هذه المؤسسات كانت، في جوهرها، مؤسسات حكم وضبط وفرض سلطة، وليست مؤسسات دولة حديثة قادرة على تحمل اعباء إدارة بلد في ساعة الخطر.
فور غياب رأس الهرم، لم يظهر مشهد الدولة التي تتصرف بأعصاب باردة عبر مؤسساتها الطبيعية. حيث لم نرَ جيشاً يتقدم إلى الواجهة بوصفه مؤسسة وطنية تدير الحرب. لم نرَ هيئة أركان تصبح مركز العمليات في المشهد العام. الذي ظهر سريعاً كان شيئاً أكثر بساطة وأشد خطورة:
•تجديد بيعة تقليدية
•إعادة ترتيب الولاء لشخص.
•ووضع البلد كله تحت قيادة حلقة عقائدية ضيقة تمسك بالسلاح والقرار والشارع.
هنا تحديداً يبدأ المعنى الحقيقي لما يجري. فإيران تخوض هذه الحرب بوصفها نظاماً تحرسه ميليشيا بتنظيم معقد اسمها الحرس الثوري. تمثل القلب الحي لصناعة للقرار. فهي التي تقاتل، وهي التي تقرر، وهي التي تضبط الداخل، وهي التي تملك الخطاب السياسي للسلاح.
أما الجيش النظامي، فحضوره في الصورة باهت إلى درجة تكاد تكون فاضحة. لا أحد يتابع غرف عملياته. ولا أحد ينتظر بياناته. ولا أحد يعامل هيئة أركانه كمركز عمليات إدارة المعركة. فأهم ما صدر عنه في اللحظة المفصلية كان مبايعة شكلية المرشد الجديد.
وحين يبايع الجيش شخصاً وليس دولة، ويُربط ولاؤه برقبة رجل وليس بدستور هذه الدولة، فإننا أمام جهاز ملحق ببنية الولاء. الأكثر قسوة أن هذا الجيش نفسه لا يعرف على وجه اليقين مصير الرجل الذي بايعه، بينما يُطلب منه أن يواصل القتال باسمه. هنا تسقط آخر مسافة بين معنى المؤسسة وشروط التبعية.
ومع اتساع القصف على طهران ومدن أخرى، ضربت البنية التحتية بعنف غير مسبوق، والمجال العام يختتق، والناس يُتركون بين الخوف والصمت والشك. لكن السلطة، بدلاً من أن تتصرف كدولة تحاول تنظيم سبل النجاة، تتصرف مثل مجموعة تقوم بخطف طائرة ركاب وتعرف أن الركاب يكرهونها. لا مال لديها لتشتري به الوقت. لا شبكة علاقات مستقرة حولها تخفف عنها العزلة. ولا ازدهار اقتصادياً يمكن أن يربط الناس بها من جديد. ولا حتى خطاب مقنع يمكن أن يرمم الشرخ بينها وبين الشارع. بقي لديها شيء واحد تقريباً: الحكم بقوة السلاح.
لهذا يبدو المشهد الإيراني الآن أقرب إلى طائرة مخطوفة. الخاطفون يحتلون قمرة القيادة. والركاب في الخلف يعرفون من أوصلهم إلى هذه اللحظة. والعالم ينظر إلى طائرة تهتز في الجو بينما من يمسكون بها لا يملكون خطة هبوط حقيقية. لديهم احتمالان فقط: هبوط اضطراري مؤقت ينقذهم لبعض الوقت، أو انتحار يبعثر الحطام فوق الجميع.